الله تعالى أرحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أنفسهم

من خصائص الشريعة الإسلامية أنها تتوافق مع الفطرة البشرية؛ فالإنسان مجبول على حب المال والولد حبا شديا، ويحب أن ينتقل المال إلى فرعه؛ لذا كان الميراث من أكثر أسباب النزاع بين الناس، ومن ثَمّ لم يجعل الله قسمته إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب وإنما تولى سبحانه قسمته بنفسه.
وفي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} (النساء: 11) جملة من الحِكَم والدلالات، اهمها:
– التعبير بلفظ (يوصيكم) فهذه الصيغة لم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في شأن توصية الآباء بالأبناء، والتعبير بلفظ (يوصيكم) له ملحظ جميل، فمعنى يوصيكم يأمركم. وعدل إلى لفظ الإيصاء لأنه أبلغ وأدل على الاهتمام، وطلب حصوله سرعة.
– مع أنه أضاف الأولاد إليهم بقوله {أولادكم}، جعل الوصية لنفسه دونهم، ليدل على أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده.
– وجاء بالاسم الظاهر ولم يقل (أوصيكم) ولا (نوصيكم) كما قال (نتلوها عليك) (البقرة:252) و(نَقُصُّ عَلَيْكَ) (يوسف:3)، لأنه أراد تعظيم هذه الوصية والترهيب من إضاعتها، كما قال: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ} (النور:17) و{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} (آل عمران:28)، فمتى أراد تعظيم الأمر جاء بهذا الاسم ظاهرا، لأنه أهيب أسمائه وأحقها بالتعظيم (الفرائض وشرح آيات الوصية للسهيلي ص:34).
– وقال {في أولادكم} ولم يقل في أبنائكم لأن لفظ الولادة هو الذي يليق بمسألة الميراث، ففي تخصيص هذا اللفظ فِقْه وتنبيه:
أما الفِقْه فإن الأبناء من الرضاعة لا يرثون لأنهم ليسوا بأولاد.
وأما التنبيه فإن لفظ الولد دلالته على أن الجنين والسقط المستهل يرث، لأنه ولد قد تولد، وقلما يقال في مثله ابن فلان حتى يكبر فينسب إلى الأب، لأن لفظ البنوة موضوع للنسب، بخلاف لفظ الولد، ألا ترى أنهم يقولون في الأنساب: ابن فلان بن فلان بن فلان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *