دوغين.. النظرية السياسية الرابعة في الميزان محمد زاوي

هل تعتبر “نظرية دوغين” إجابة فعليه عن اختناق العالم
واختناقنا كعرب ومسلمين معه في عنق الزجاجة؟

تتأسس دعوة الخبير والفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين لـ”النظرية السياسية الرابعة” على أساس تجاوز ما سبقها من نظريات، أي النظريات الثلاث: النظرية الليبرالية، والفاشية والماركسية.
لا يرفض دوغين كل ما تتضمنه هذه النظريات الثلاث، بل قد يقتبس منها في هذه الجزئية أو في تلك القضية. الأصل في تصور دوغين، بخصوصها، أنها نظريات ذات أصول غربية لا يتحرر المرء منها إلا بنظرية سياسية رابعة.
يعود تبني “النظرية السياسية الرابعة”، حسب دوغين، إلى 2007-2008، حيث “كانت تلك لحظة الخطوة الحاسمة التي لا رجعة فيها من الأوراسية كنسخة روسية من المركز الثالث إلى المركز الرابع”، كما “كان هذا استمرارا للأفكار الأوراسية التي لا تزال تتكون من مناهضة الليبرالية، ومعادات الحداثة، ومعادات المركزية الأوروبية”. (ألكسندر دوغين، الخلاص من الغرب: الحضارات الأرضية مقابل الحضارات البحرية والأطلسية، ترجمة علي بدر، مكتبة دار ألكا، الطبعة الأولى، 2021، ص:38).
ما يهم في “النظرية السياسية الرابعة” هو أنها تدعو إلى التخلص من المركزية الغربية، تحت مختلف الأقنعة، ليبرالية أو فاشية أو ماركسية، بما فيها تلك المركزية التي على أساسها قام الاتحاد السوفييتي. فبالنسبة لبوتين، بالرغم من استفادته من الرصيد الاشتراكي الروسي والعالمي في مواجهة النظام الاجتماعي الرأسمالي، إلا أنه يعتبر النظرية السياسية الماركسية محكومة فلسفيا وإيديولوجيا بالفلسفة الغربية المادية، وهذا ما يجب تجاوزه بـ”النظرية السياسية الرابعة”.
تدافع “نظرية دوغين” على الخصوصية السياسية والحضارية الخاصة بكل مجتمع، عكس ما يتم ترويجه من صلاح ونجاعة مطلقين للخصوصية الغربية، وهي في نظره فاسدة وجنت على الإنسان فساد أخلاقه وسيادة الغابوية في علاقاته وتصرفاته. “النظرية السياسية الرابعة” تؤكد إذن “بحرية على الهياكل غير الحديثة وغير الغربية كأساس صالح لحضارة معيارية وذات سيادة”. (نفسه، ص:38).
على المستوى الدولي، تدعو “النظرية السياسية الرابعة” إلى “نظام التعددية القطبية”، إذ “في مجال العلاقات الدولية، تم تطوير نظرية العالم متعدد الأقطاب مؤخرا من قبل الأوراسيين” (ص:39). بهذا تخرج نظرية دوغين والأوراسيين من دائرة الأنماط المعتادة للنظام الدولي، إما ثنائية قطبية (بعد الحرب العالمية الثانية) وإما أحادية قطبية (بعد سقوط جدار برلين)؛ نمط الأوراسية غير هذين النمطين، بل هو نمط تعدديـ تعبر فيه روسيا عن خصوصيتها، كما تعبر الصين وأوروبا وأمريكا، إلخ.
بقي لنا أن نتساءل: ما علاقة “النظرية السياسية الرابعة” بالأوراسية؟
يقول دوغين: “يمكننا اعتبار النظرية السياسية الرابعة تطورا من/ أو استمرارا للأوراسية حيث تمثل الأوراسية نموذجها الأساسي ونقطة انطلاقها. كما من الممكن نظريا دراسة النظرية السياسية الرابعة دون أية معرفة بالنزعة الأوراسية، ولكن من أجل فهم مبادئها بشكل أعمق، فإن الإلمام بالأوراسية أمر مطلوب”. (ص:39).
هي نظرية عامة، لا يخفي دوغين جذورها الجغرافية والتاريخية، كما فعل الغرب بخصوص الليبرالية وغيرها من النظرية المنبثقة عنها، فعولمها وأخفى أصلها، بل عمل على فرضها والسيطرة بها على مجتمعات ذات خصوصيات أخرى، ربما هي أقرب إلى الثقافة الأوراسية منها إلى الثقافة الغربية.
وبغض النظر عن جذور “نظرية دوغين” وحيثيات صياغتها وإنضاجها، فإنها تتأسس على “فلسفة متماسكة ومكتفية ذاتيا وعلى أساس ففلسفة رؤية للعالم”. (ص:39).
فلنتساءل أيضا، هل تعتبر “نظرية دوغين” إجابة فعليه عن اختناق العالم، واختناقنا كعرب ومسلمين معه، في عنق الزجاجة؟
ليست لهذا الاختناق إجابة سحرية، والمطلوب هو أن يؤدي كل طرف دوره، “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” (حديث نبوي شريف). إدارات الدول مطالبة بالدراسة والاستشراف، التحرر من الغرب (“الخلاص من الغرب” بتعبير دوغين) قدر الإمكان في الاقتصاد والسياسة والثقافة. الأفراد أيضا مطالبون، في مجتمعاتهم، زرافات ووحدانا، بـ”الخلاص من الغرب” في أنفسهم، في حياتهم اليومية. في أخلاقهم حتى لا يطبعوا مع الأنانية والحقد والحسد والتنافس الخبيث، في علاقاتهم الجنسية حتى لا يطبعوا مع الزنا والشذوذ سحاقا وسدومية (نسبة إلى قوم سدوم/ قوم لوط، بدل اللواط نسبة إلى النبي لوط عليه السلام)، في استهلاكهم حتى لا يصير فاحشا أكلا وشربا واستمتاعا وسياحة، في معاملاتهم حتى لا يطبعوا مع الاستغلال والظلم والقسوة والعنف، إلخ.
في هذا وغيره، من نفس جنسه، أظن أننا نلتقي كمسلمين مع ألكسندر دوغين. تخدمنا “النظرية السياسية الرابعة”، لأنها تفتح آفاقا لاستراتيجية الإسلام حتى تظهر للعالمين على حقيقتها، “محجة بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *