فشل رشيد أيلال، في كتابه “صحيح البخاري: نهاية أسطورة”، في أن يثبت لنفسه: صنعة المحدثين، عقلانية المفكِّرين، دقة علماء المخطوطات، منهج التاريخانيين، أصالة المغاربة، أمانة الباحثين… إلخ. فشل في كل ذلك، فأبى إلا أن يخفي فشله تحت قناع “محاصرة كتاب وفرض الرقابة على رأي”. أليس من حق الدولة أن تمنع كتابا أقل ما يقال عنه أنه كتاب لا نفع فيه، حتى فيما يدعيه صاحبه؟ أليس من حق المحدثين أن يدافعوا عن “منهج” خدموه عبر التاريخ في مواجهة من يريد أن ينسفه بالادعاءات الباطلة؟
“أسطورة البخاري” وعقدة “علم الحديث”
لم يُعرف أيلال، طيلة مساره البحثي، بتخصصه في “علم الحديث”. ورغم ذلك فقد أعطى لنفسه حق مناقشته، بل توجيه سهام “نقده” لعدد من المسلمات، نذكر منها ثلاثة أمثلة:
– إدخال الموقوف والمقطوع مع المرفوع في معنى “الحديث”، معتبرا ذلك من التناقض مع التعريف الشائع لـ”الحديث” بكونه: “ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم: من قول أو فعل، أو تقرير، أو وصف خَلقي أو خُلُقي”. (1)
وبما أن صاحبنا غير ذي تعمّق في “صنعة المحدثين”، فإنه لا يستحضر تعدد تعاريف “السنة” حسب تخصصات “علماء الشريعة” المختلفة، كما أنه لا يميز بين “تعريف الحديث” و”تعريف السنة” عند المحدثين. إنه من جهة أولى، لا يستحضر تمييز “علماء الشريعة” بين: “سنة” الأصوليين بمعنى “ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير”، و”سنة” الفقهاء بمعنى “المندوب”، و”سنة” المتكلمين بمعنى “ما يخالف البدعة”، و”سنة” المحدثين بمعنى “ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلقي أو خُلُقي”. ومن جهة ثانية، فإنه لا يميز بين “السنة” و”الحديث”، باعتبار “سنة المحدثين” معنى خاصا من معاني “الحديث”.
– اعتبار “صنعة المحدثين” علما، ففي نظر أيلال، “لا يمكننا بأي حال من الأحوال اعتبار خرافة “الحديث” علما، لأنها لا تملك من العلم شيئا، منهجها منهج أهواء، وأسلوبها انتقائي مزاجي، يخضع لأقوال الرجال، والتي بمقتضاها يتم الحكم على رجال آخرين بالصلاح أو بالطلاح”. (2)
يا ليت أيلال بنى هذه النتيجة على استدلاله، ولكنه بناها على استدلال غيره (عماد حسن)، بل إن النتيجة نفسها هي لهذا الرجل (“خرافة علم الرجال”). اقتباس من صفحتين، اقتباس لا يتدخل فيه أيلال بتركيب أو تحليل أو استنتاج، بل إن الاقتباس هو نفسه الاستدلال والنتيجة. وكلاهما، عماد حسن ورشيد أيلال، لا يتصوران ما يحكمان عليه كما يجب (والحكم على الشيء فرع عن تصوره، كما يقول المناطقة). لا يتصوران “العلم الدقيق” كمرحلة متقدمة لتطور المعرفة البشرية، كما أنهما لا يتصوران “علم الحديث” كصنعة خاصة لها موضوعها وسياقها الخاص. فما كان منهما إلا أن أهملا أشكال المعرفة التي كانت سائدة قبل اكتشاف “العلوم الدقيقة” (الأسطورة، المعرفة الدينية، الفلسفة الطبيعية… إلخ) (4). وما كان منهما أيضا، إلا أن تصورا “صنعة المحدثين” خارج موضوعها (حفظ “الحديث” وفق قواعد معتمدة على وجه “التقريب والتغليب” (5))، فحاكماها إلى شروط “العلم الدقيق”: “وحدة الموضوع، قابلية المنهج للاختبار، قابلية التجربة لإعادة الإنتاج” (6). والحقيقة، أن “العلوم الإنسانية” نفسَها لا تخضع لهذه الشروط مطلقا، فما بالك بمعاييرَ اتفق عليها “المحدثون” لجمع “الحديث” وحفظه.
– اعتماد “المحدثين” معاييرَ خاصة بتجريح وتعديل “الرجال”، يستنكر هذا الاعتماد بحجة أن أحوال البشر لا تتصف بالكمال، وأن “التقوى والصلاح من البواطن التي لا يعلمها إلا الله”. يقول أيلال: “إن علم الرجال يعني ببساطة أن المحدثين يستدلون على الحقيقة بالرجال، ويهتمون بمن قال أكثر مما قال، وهنا يحق لنا أن نسأل كل ذي عقل حصيف، هل كان الصحابة كلهم عدول، وكلهم أتقياء، وكلهم على مرتبة واحدة من العلم، أم هم في الحقيقة أصناف وأنواع، يجب أخذ الحيطة والحذر عند الأخذ منهم وعنهم؟”. (7)
من “صنعة المحدثين”: حفظ ما أثر عن النبي ﷺ (وتلك هي مهمتهم التي أقبلوا عليها، قبل تحديد معاييرها)، دراسة أحوال السند والمتن معا (لا السند وحده، كما يدعي أيلال)، تحديد معايير “التجريح والتعديل” على وجه “التقريب والتغليب” (ولا يدعون كمال الإنسان مطلقا، كما يدعي أيلال)… إلخ.
والملاحظ هو أنّ أيلال قد قرأ “علوم الحديث” في كتب المبتدئين والمتعلّمين، وهي كتب تطغى عليها أساليب “التحديد المطلق للمعاني”، بغرض التعليم وتثبيت المعايير لدى المتعلّمين ابتداء. ولو أنه قرأها في كتب كبار “المحدثين”، لوجدهم يختلفون في اصطلاحاتهم وشروطهم، ولعرف كيف بُنيت المعايير وصيغت على وجه التقريب لا على وجه “التحديد المطلق”.
عقلانية “البخاري” وعقلانية أيلال
يقول رشيد أيلال: “ومن الكتب التراثية التي لقيت انتقادا كبيرا منذ تأليفها كتاب “الجامع المختصر الصحيح من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه” الشهير ب”الجامع الصحيح” أو “صحيح البخاري”، حيث أنجزت العديد من الدراسات والبحوث والتحقيقات التي تناولت هذا الكتاب بالانتقاد، لإبراز القيمة الحقيقية للأحاديث والآثار الواردة فيه، سيما تلك التي تتناقض مع العقل والعلم والقرآن، والأحاديث المنحولة والمأخوذة من الإسرائيليات، وغيرها من البحوث التي صار معها “صحيح البخاري” من أكثر الكتب إثارة للجدل على مرّ التاريخ الإسلامي”. (8)
ويقول أيضا: “ومما جناه الحديث على أمتنا هو أنه جعلها أمة متخلفة تؤمن بالخرافة وتناهض العلم وتنبذ العقل”. (9)
بخصوص النقد “العقلاني” ل”صحيح البخاري”، نسائل أيلال: عن أي عقل يتحدث؟ هل عن عقل في التاريخ؟ أم عن عقل في النفس؟ فإذا كان الأول فيجب إرجاع البخاري إلى عقل روايته وجمعه، بل وعقل ورود أحاديثه أولا؛ وهذا لا يعني المفاصلة بين هذا العقل وعقل استصحابه في هذا العصر، بل أن يستمد الثاني من الأول، فجوهرهما التاريخي واحد. العقل إذن ليس عقلا واحدا، وليس هو العقل الغربي كما يريد أن يحاكم إليه أيلال “صحيح البخاري”. يتعلّق أيلال بهذا النموذج الثاني، وذلك من عقله النفسي، لا من عقله التاريخي. وهكذا فقد يكون عقل التراثي تاريخيا، فيما يحجز عقل أيلال موقعه خارج التاريخ؛ فأين عقلانية أيلال؟ ما يخالف عقل أيلال ليس هو ما يخالف العقل، ولا ما يخالف التاريخ؛ وإنما ما يخالف هوى أيلال ونفسانيته، فقد جعل من عقله نفسا وهوى لا تاريخا وتحليلا موضوعيا ملموسا. هواه الخاص نفسه، أي التنوير الغربي، لا يعرف أيلال الشروط التاريخية لعقلانيته؛ فكيف له أن يعرف عقلانية التراث في وروده واستدعائه؟!
أما فيما يتعلق بـ”تخلف حضارتنا” وربطه ب”علم الحديث”، فهو مما يخالف منطق العقلانية الحديثة نفسها، فالتخلف ليس من العوامل الثقافية بالأساس، بل من العوامل الاقتصادية والاجتماعية كأساس للأولى. ومن الأسئلة التي نطرحها على أيلال هنا: ألم يتقدم المسلمون وقد كان فيهم “علم الحديث”؟ أم يترجم المنطق الأرسطي على يد علماء وفقهاء يدرسون علم الحديث؟ ألم تكتشَف علوم طبيعية على يد خريجي مدارس تدرّس الحديث؟
يقود “العقل البسيط”، المحكوم بالهوى الخاص، أيلال إلى توجيه “نقده” لمتن عدد من الأحاديث، نذكر منها مثال: “وورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الشؤم في المرأة والدار والفرس”. فهل يعقل أن يقول رسولنا الكريم ذلك… وهل يشبه رسولنا المرأة بالفرس والدار، أي بالحيوان والجماد ألا ساء ما يحكم به صحيح البخاري في هذا”. (10)نأن
يحاكم أيلال هنا الحديث خارج سياقه، ويقول بتشبيه لم يرد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا ما حال بين أيلال وبين البحث عن أبعاد عقلانية في الحديث المذكور، ومنها مبحث “تعلق الرجل العربي بالدار والمرأة والفرس”، وما يُحمل عليه الشؤم من معنى في لغة العرب آنذاك، والصفة المشتركة بين الدار والمرأة والفرس عند عرب شبه الجزيرة العربية. ناهيك عن إرجاع الحديث إلى شرطه الثقافي، واعتبار ما يقوله الفقهاء والأصوليون بخصوص “التصرفات النبوية”… لم يتحمل أيلال عناء ذلك، فانطلق مستنكرا: “هل يعقل”… والعقل الغائب عن شرطه لا يستطيع تحديد “ما يعقل وما لا يعقل”.
—————————–
الهوامش:
(1): رشيد أيلال، صحيح البخاري: نهاية أسطورة، دار الوطن، الطبعة الثانية، 2019، ص 31.
(2): نفسه، ص 36.
(3): “العلم الدقيق هو: العلاقة الجدلية الضرورية بين التنظير المرَيَّض والتجربة والقياس الدقيقين”، بتعريف هشام غصيب، في محاضراته “تاريخ العلم”.
(4): راجع كتاب: “نظرية التقريب والتغليب”، أحمد الريسوني.
(5): رشيد أيلال، نفس المرجع السابق، ص 34-35.
(6): نفسه، ص 37-38.
(7): نفسه، ص 40-41.
(8): نفسه، ص 12.
(9): نفسه، ص 47.
(10): نفسه، ص 47.