انتبه يا عبد الله فإنك في بيت الله (13) ضوابط إحضار الصبيان للمسجد نور الدين درواش

 مع عدم ثبوت شيء صريح ولا صحيح عن النبي ﷺ في النهي عن دخول الصبيان المسجد، بل ومع ثبوت ضده؛ لا ينغي أن يترك هذا الأمر بدون قيود ولا ضوابط تحصل مصلحة دخول الصبيان وتمنع من المفاسد الكثيرة التي يسببها تغييب هذه الضوابط.

الضابط الأول: عدم العبث.

الضابط الثاني: أن يُكَفَّ إذا نهي عن العبث أو عما لا ينبغي.

جاء في المدونة:” سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ‌الصِّبْيَانِ يُؤْتَى بِهِمْ إلَى ‌الْمَسَاجِدِ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ لَا يَعْبَثُ لِصِغَرِهِ وَيَكُفُّ إذَا نُهِيَ فَلَا أَرَى بِهَذَا بَأْسًا، قَالَ: وَإِنْ كَانَ يَعْبَثُ لِصِغَرِهِ فَلَا أَرَى أَنْ يُؤْتَى بِهِ إلَى الْمَسْجِدِ”([1]).

وقد أفادت هذه الرواية عن مالك: أن الصبي لا يسمح له بدخول المسجد إلا بأحد أمرين:

الأول: عدم العبث.

الثاني: أن يُكَفَّ إذا نهي عن العبث أو عما لا ينبغي.

وقد ذكر النووي : أن من جملة المفاسد “اجتماع الصبيان وأهل البطالة ولعبهم ورفع أصواتهم وامتهانهم المساجد، وانتهاك حرمتها وحصول أوساخ فيها وغير ذلك من المفاسد التي يجب صيانة المسجد من أفرادها”([2]).

وقال شيخ الإسلام: “‌يصان ‌المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين فيه حتى رفع الصبيان أصواتهم فيه وكذلك توسيخهم لحصره ونحو ذلك. لا سيما إن كان وقت الصلاة فإن ذلك من عظيم المنكرات”([3]).

وقال جمال الدين القاسمي: “وذلك لأن الصبي دأبُه اللعب فبلعبه يشوش على المصلين وربما اتخذه ملعبًا فنافى ذلك موضع المسجد فلذا يجنب عنه”([4]).

وجاء في النجم الوهاج في شرح المنهاج للدَّميري الشافعي: “وسئل القفال عن تعليم ‌الصبيان في ‌المساجد فقال: الأغلب على ‌الصبيان الضرر بالمسجد فيجوز منعهم”([5]).

فالواجب السعي في تأديب الصبيان وتعليمهم آداب المسجد وإذا صدر منهم ما يسوء فليُؤدبوا أو يطردوا إن اقتضى الحال.

قال الألباني: “‌وأما ‌كبار الأطفال فتأثرهم بذلك واضح مسلم، غير أنه إذا وجد فيهم من يلعب في المساجد ويركض فعلى آبائهم وأولياء أمرهم تأديبهم، وتربيتهم أو على القيم والخادم أن يطردهم”([6]).

قال ابن كثير: “وقد كان ‌عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، إذا رأى صبيانا يلعبون في ‌المسجد، ضربهم ‌بالمخفقة -وهي الدرة – وكان يعس ‌المسجد بعد العشاء، فلا يترك فيه أحدا”([7]).

وقد روى الإمام البخاري: في “التاريخ الكبير” بسنده إلى شُرحبِيلَ قَالَ: “رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ –رضي الله عنه- وَنَحْنُ غِلْمَانٌ نَلْعَبُ في المَسْجِدِ فَضَرَبَنَا بِالمِخْفَقَةِ، فَخَرَجْنَا مِنَ المَسْجِدِ”([8]).

الضابط الثالث: عدم تلويث المسجد ولا تنجيسه.

الضابط الرابع: عدم التشويش على المصلين ولا فتنتهم سواء بكثرة الحركة أو رفع الصوت أو غير ذلك.

وما ينصح به في هذا المقام؛ عدم ترك الصغار متجاورين في صف واحد حتى لا يحصل منهم التنافس في الشغب، والتشجع على اللعب والعبث والتشويش على المصلين.

نصيحة لعُمَّار المساجد في الرفق بالأطفال:

ولا يفوتني أن أوجه نصيحة لعموم المصلين في المساجد أن يرفقوا بالأطفال، ويتلطفوا معهم ويحسنوا معاملتهم، ويلينوا في خطابهم؛ حتى يكونوا سببا في ترغيبهم في المساجد وتحبيبهم في الصلاة، وتعليق قلوبهم بالعبادة والاستقامة والصلاح. فإن مما يُؤسف له أن يطرد الصغار من المساجد فيقصدون أماكن اللهو واللعب الفاسدة -وما أكثرها- فتتلقفهم أيدي الشر، ومستنقعات الرذيلة ومواطن الانحراف.

وقد كان النبي ﷺ يحسن معاملة الأطفال ويدعوهم إلى الله، ويعلمهم العقيدة والعبادة والأخلاق والأدب، ويلاعبهم بالأساليب اللطيفة، والابتسامة والبشاشة، ويقدم لهم الهدايا والأعطيات، ويأكل معهم مُغْتَنِمًا الفرصة للتوجيه والتعليم ولم يثبت عنه ﷺ أنه كهر واحدا من الأطفال ولا نهره ولا ضربه ولا عنفه بقول ولا فعل.

وهذا الصحابي الجليل أنس بن مالك -رضي الله عنه- خادم النبي ﷺ من حين هجرته إلى المدينة إلى وفاته ﷺ يقول: «‌خَدَمْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرٌ سِنِينَ. وَاللَّهِ! مَا قَالَ لِي: أُفًّا قَطُّ. وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟»([9])

فكيف نرجو أن يكون جيل الغد جيلا متدينا مستقيما صالحا ونحن نطرده من المسجد في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى الربط بالقيم الإسلامية، وأحوج إلى التشبع بالثقافة والمعاملة الإسلاميتين؟

والمفروض في عمار بيوت الله أن يكونوا أكثر الناس تمسكا بهديه واتباعا لأخلاقه ومعاملاته مع الأطفال ومع غيرهم.

كما أنصح بحسن التعامل مع الأب الذي صدر عن ابنه شيء لا ينبغي، وأن لا يهاجمه عامَّة المصلين بسهام عيونهم، وأن لا يؤذوه بسيوف كلماتهم الجارحة والمؤذية، فيكونوا سببا لصده هو نفسه، عن المسجد وعن صلاة الجماعة.

فنسأل الله أن لا يجعلنا شؤما على عموم المسلمين، ولا وسيلة للحيلولة بينهم وبين الطاعة والاستقامة وبيوت الله، وأن يكفينا شر الصد عن سبيل الله.

—————————————————-

([1]) المدونة (1/195).

([2]) المجموع (2/178).

([3]) مجموع الفتاوى (22/204).

([4]) إصلاح المساجد من البدع والعوائد (ص:160).

([5]) النجم الوهاج (5/435).

([6]) المصدر السابق (2/762).

([7]) تفسير القرآن العظيم (6/64).

([8]) التاريخ الكبير (4/251)، وانظر “الجرح والتعديل” لابن أبي حاتم (4/ 340).

([9]) رواه البخاري (6038)، ومسلم(2309).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *