حظي الفقيه في المجتمع المغربي التقليدي، أي مجتمع ما قبل الحماية (ما قبل تدخل “التشكيل الاستعماري”)، بمكانة مهمة وبارزة تشمل الفتوى في القضايا الخاصة، العائلية والمهنية الخ، وتشمل تقديم الموعظة الحسنة والنصيحة والدعوة إلى الإسلام. كما كانت تشمل استشارته (الفقيه) من قبل السلطان في القضايا العامة عن طريق الاستفتاء. ويحتفظ التاريخ المغربي بمراسلات استُفتي فيها الفقهاء من قبل السلاطين قبل إصدار ظهائر منظمة لعدد من المسؤوليات والقطاعات في الدولة أو المجتمع.
ففي قضية الظهير هناك “مقترب نظري” ذكره محمد أشركي في كتابه “الظهير الشريف في القانون العام المغربي”. يناقش هذا المقارب وظيفة السلطان كمنفذ لقانون الشريعة، فإنه اعتبارا لهذا المقترب لا يتولى السلطان –أو الخليفة كما هو معروف في الفقه السياسي الإسلامي- وظيفة التشريع، وهي ليست من حقه، بل إن مصادرها هي نفسها مصادر الشريعة التي يبقى استنباط الأحكام والتشريعات انطلاقا منها حكرا على الفقهاء الذي يعرفون كيف “يترجمون ويوقعون عن الله” في هذه المسائل. ولذلك فقد انتشرت الكتب والمدونات الفقهية في البلاد الإسلامية -ومنها المغرب- خلافا للبلدان المسيحة حيث انتشرت المدونات القانونية بدلا من ذلك. (محمد أشركي المرجع المذكور، ص 7-24).
غير أنه بالرغم من الاستقلال الذي تحظى به الآلة الفقهية عن الآلة السياسية، وما كان لذات الاستقلال من قوة في الدولة التقليدية، فإن يد السلطان (الدولة) لم تكن ببعيدة عن عمل الفقيه وإنتاج المدونات الفقهية المعمول بها في الشأن العام. ذلك لأن الفقهاء في شؤون السياسة لا يحققون مناطهم بأنفسهم، بل هم في حاجة إلى شرح وتوجيه لا يتاح لهم بفعل تخصصهم في الشريعة. وذلك ثغر عادة ما كان يملأه الساسة بشكل مباشر أو عبر وساطات، وربما بفهم فقيه يحسن قراءة المنحى العام لسياسة السلطان وما تتحقق به مصالح دولته.
وهناك مقترب آخر هو “المقترب الواقعي”، حيث إن للسلطان تشريعا خاصا يشمله بأمره في المسائل التي تقتضيها شؤون الدولة ولم يشملها الفقه بحكم خاص. عُرف هذا التشريع في الحالة المغربية بالظهير الشريف، كما عرف في تجارب أخرى بأسماء مغايرة من قبيل: الفرمان وبرات وارادي في تركيا والمرسوم العائلي بتونس (نفسه، ص 8-24-25). إلا أن هناك من يدخل هذا التصرف بالتشريع من قبل السلطان في خانة المصالح المرسلة، أي ما لم يرد الشرع لا بالأمر به ولا بإنكاره. وهذا رأي فقهي يدخل كل اجتهاد سياسي أو إداري أو قانوني في مشمولات الشريعة ما لم يخالف أحكامها الفقهية.
وعموما فقد كان المغاربة، زمن المغرب السلطاني، يحتكمون إلى الشريعة في شؤونهم الخاصة؛ وفي الشؤون العامة كان السلطان يستصدر الفتوى من الفقهاء، كما كان له تشريع خاص يسمى “الظهير” فيما لم ينظمه الفقه، أو تركه لاجتهاد أصحاب الشأن شريطة ألا يخالفوا باجتهاداتهم الشريعة.
وقد أثرت الحماية على الظهير، حسب محمد أشركي، سياسيا وقانونيا. فبتدخلها أصبح للظهير مضمون وشكل جديدان، من خلال فرض الحماية لوصايتها على السلطان، وحصر نفوذ الظهير في مجال السيطرة الفرنسية، وتحديث مضمون الظهير، وتركيز القرار وتجميع السلط في يد السلطان.
فمن الناحية السياسية، حدث نوع من “الاستلاب السياسي للظهير”، بـ”القضاء على الدور الدستوري التقليدي للعلماء وتركيز التشريع برمته في يد السلطان”، “وبالمقابل استعيض عن شورى العلماء بوصاية الحماية القمعية… فأصبح الظهير التشريع الوحيد في يد الحماية”؛ وبالإضافة إلى ذلك، فقد أصبح الظهير محدودا بالحدود الترابية للاستعمار الفرنسي بالمغرب، ما أدى إلى تجزيئ السيادة التشريعية للمغرب بين منطقة الحماية الفرنسية والمنطقة الخليفية الإسبانية وطنجة الدولية. (محمد أشركي، مرجع سابق، ص23، من الصفحة 38 إلى ص43).