ليلة الهـروب الكبيـر… الأسـباب والعـلاج د. يوسف فاوزي

يحز في النفس رؤية مشهد نزوح المئات من الرجال والنساء والأطفال نحو نقاط العبور في اتجاه البلاد الأوروبية؛ طمعا في الحصول على حياة أفضل وعيش كريم؛ مما يجعلنا نتساءل شئنا أم أبينا: أما آن لملف الهجرة السرية أن يطوى؟

هل لشبابنا القناعة الكاملة في الرحيل وترك بلدهم بحجة عدم جدوى البقاء؟

فالمغرب وعدت حكوماته بتوفير العيش الكريم لمواطنيه بما يحفظ كرامته؛ ويوفر له أساسيات العيش؛ غير أن التحولات الأخيرة التي عرفتها بلادنا وغيرها ما بعد جائحة كورونا؛ صدمت الكثير من الشباب؛ مخلفة انطباعا متشائما حول المستقبل؛ وتحقيق الاستقرار في الوطن وبين الأهل؛ لتعود إلى المخيلة الاجتماعية وبقوة فكرة الهجرة السرية؛ فرارا من الواقع المعاش؛ وطلبا لوضع أفضل.

ولتشخيص المشكلة لابد من الوقوف على أسباب ظهور هذه الظاهرة؛ لنقف بعدها على حلول مقترحة لتجاوزها.

ويمكن إجمال أسباب انتشار ظاهرة الهجرة السرية في صفوف الشباب المغاربة:

1} ضعف التحصين العقدي والتربوي في نفوس الشباب: ومعنى هذا أن الخطاب الديني والتربوي لا ينتبه (أحيانا) إلى هموم شباب اليوم؛ التي جلها تحوم حول مسألة الرزق والقناعة والفقر؛ مع غياب الإيمان بقضاء الله وقدره؛ وأن الله هو الرزاق سبحانه؛ إذ إن تحصين الشباب المغربي تجاه هذه الأمور تجعله متوكلا على الله عز وجل باذلا للأسباب الشرعية في تحصيل الرزق؛ بدل التفكير في تعريض النفس إلى خطر الموت بالهجرة السرية؛ قال عليه الصلاة والسلام: (لا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه؛ قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يعرض نفسه من البلاء لما لا يطيق)؛ رواه الترمذي.

وغياب الخطاب الديني في تأطير الشباب حول هذا الموضوع يجعله مقتنعا بفكرة المغامرة بالنفس في سبيل تحصيل منفعة وهمية.

2} انتشار الفقر: فأمام اتساع دائرة الفقر؛ وارتفاع غلاء المعيشة؛ يجعل الطبقة الفقيرة متطلعة إلى عيش أفضل؛ وهذا ما يجعل الحكومة المسؤول الأول عن هذا الوضع الاقتصادي؛ فلا يعقل أن تبقى الوضعية الاقتصادية بهذا الوضع بحجة أنه غلاء عالمي لا يستثني الجميع؛ خصوصا أن نسبة الفقر والبطالة في المجتمع في تزايد مطرد.

3} انتشار خطاب التفاهة في الإعلام العمومي: وعلاقة الهجرة السرية بالتفاهة تتمثل في غياب التفكير المتزن عند الشباب؛ باستيعاب خطورة هذه الهجرة على النفس؛ وعدم استحضار مآلاتها الخطيرة على الفرد والمجتمع؛ بسبب شيوع مادة التفاهة في الإعلام العمومي؛ فلو كان الإعلام حريصا على تقديم مادة إعلامية هادفة قائمة على الهوية المغربية الأصيلة؛ لكانت عقلية شباب اليوم واعية بحاضرها؛ متطلعة إلى مستقبلها بما يتوافق مع الشرع والعقل والعرف؛ أما إغراق الشباب في السهرات والمسلسلات ومباريات كرة القدم؛ وغيرها من التفاهات؛ يجعل منه غائب التفكير؛ غير مبال بالمسؤولية الواجب استحضارها في مثل هذه المواقف.

4} ضعف الخدمات الاجتماعية: خصوصا في الصحة والتعليم؛ فضعف هذه الخدمات اللصيقة بالحياة اليومية للناس تجعلهم في حالة بأس شديد؛ تدفع بالكثير منهم إلى خوض غمار هذه المغامرة؛ بحثا عن الكرامة الإنسانية.

5} ضعف الأحزاب السياسية: التي للأسف لم تعد مدافعا عن المواطن الضعيف في الحصول على حقوقه الأساسية؛ بل إنها لزمت صمت القبور أمام هذا الوضع؛ واكتشف هذا المواطن أن كل هذه الوعود في الحملات الانتخابية كانت مجرد طعم مسموم لحصد الأصوات لا غير؛ وغابت هذه الأحزاب في الوقوف أمام التغول الفاحش للوبيات الغلاء وتحالفها معه لا ضده؛ لتكون سلوكيات هذه الأحزاب دافعة بتعزيز قناعة الهجرة السرية خصوصا عند فئة الشباب.

6} تقهقر المنظومة الاجتماعية بالمجتمع: فتفشي ظاهرة الطلاق وعزوف الشباب عن الزواج؛ مع تراجع مؤسسة الأسرة باعتبارها النواة الأولى للمجتمع؛ خلف غياب التفكير بالتحمل للمسؤولية لدى الشباب؛ مما يفسح المجال لسيطرة فكرة الأنانية في التفكير في المصلحة الشخصية؛ كل هذا دفع بالشباب إلى الهجرة السرية أملا في تحقيق هذه الرغبات.

وغيرها من الأسباب المؤدية إلى انتشار هذه الظاهرة.

ولمحاولة التصدي لهذه الظاهرة وما تخلفه من آثار سلبية على النسيج المغربي؛ فيجب الأخذ بما يلي:

1} ضرورة إدماج المؤسسة الدينية في حملة تحسيسية تستهدف بالدرجة الأولى شريحة الشباب؛ بتكريس حصانة إيمانية نفسية تحمي عقول الشباب من الفكر الانهزامي؛ وبناء شخصية قوية لتحمل المسؤولية ومواجهة التحديات.

2} ضرورة تحسين وإصلاح منظومة الإعلام العمومي؛ ليكون في مستوى مخاطبة الرأي العام؛ بتوجيه مادة إعلامية هادفة تبني شخصية مسلمة مسؤولة أمام ربها ووطنها.

3} ضرورة مراجعة دور الأحزاب السياسية المغربية في الساحة العامة؛ وتجديد خطابها لتكون مشاركة في هموم المواطنين.

4} اقتراح إنشاء صندوق الزكاة؛ لترشيد جمع مال الزكاة؛ وحسن صرفها في وجوه المستحقين؛ ولتكون هذه الشعيرة العظيمة أداة فاعلة في مكافحة الفقر.

5} ضرورة تحصين مدونة الأسرة المغربية من العبث العلماني حتى لا يضيع مفهوم الأسرة في المجتمع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *