من فقه البيوع الوصايا النافعة للتجارة الرابحة ياسين رخصي

اعلم أن كسب التجارة من أطيب المكاسب وأحلِّها لمن برَّ وصدق وبيَّن ونصح، لحديث رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي الكسب أطيب؟ قال: “عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور(1)” رواه الحاكم وصححه الألباني.

وقد ورد الحث على الاكتساب لما في ذلك من التعفف عن ذِلَّة السؤال والحاجة إلى الغير، كما روى البخاري في صحيحه عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لَأَنْ يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيَكُفَّ بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه”.
وفي الحديث دليل على سمو هذه الشريعة، وأنها لا تقر البطالة، وأن على المرء أن يسعى في تحصيل ما به صلاح شأنه وقيام أمره وأن لا يكون عالة على غيره.
ولما كان البيع يحضره اللغو والكذب والغش والخداع، ناسب ذلك أن نذكر بعض الوصايا(2) التي يحتاجها من تعاطى البيع والشراء حتى تكون له عونا على مرضاة ربه، وسببا لطيب كسبه وحله:

الوصية الأولى: أن ينوي التاجر بتحصيل المال نية حسنة صالحة لقول النبي صلى الله عليه و سلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى..” متفق عليه، فينوي أن يعمل بماله في طاعة الله تعالى ليوافق مراد الله من إنزال المال كما في الحديث القدسي: “إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة و إيتاء الزكاة..” رواه أحمد وصححه الألباني، ولقوله صلى الله عليه وسلم: “…إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو صادق ‏ ‏النية ‏ ‏يقول لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان، فهو‏ ‏بنيته، ‏ ‏فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو‏ ‏يخبط ‏ ‏في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو ‏ ‏بنيته ‏ ‏فوزرهما سواء” رواه الترمذي واللفظ له و ابن ماجة من حديث أبي كبشة الأنماري.

الوصية الثانية: الأمر بتعلم ما تمس الحاجة إليه من أحكام البيع والسؤال عما يُشكل ويشتبه من المعاملات قبل الخوض فيها لقول الله تعالى: “فَسْئَلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” الأنبياء، وقول النبي صلى الله عليه و سلم: “..ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال”رواه أبو داود من حديث جابر، وقوله صلى الله عليه و سلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” رواه ابن ماجة من حديث أنس و صححه الألباني.
قال علي بن الحسن شقيق: “قلت لابن المبارك: ما الذي لا يسع المؤمن من تعليم العلم إلا أن يطلبه؟ وما الذي يجب عليه أن يتعلمه؟ قال لا يسعه أن يُقدم على شيء إلا بعلم ولا يسعه حتى يسأل” جامع بيان العلم وفضله برقم 38.

الوصية الثاثلة: وجوب الاكتفاء من المكاسب بالحلال الخالص، والرفق في طلبها، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ” البقرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن روح القدس (أي جبريل) نفث في رُوعي (أي ألقى الوحي في قلبي) أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب(3)، ولا يحملنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ماعنده إلا بطاعته” رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة، وصححه الألباني.
وعلم صلى الله عليه و سلم عليا رضي الله عنه أن يقول: “اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك” رواه الترمذي وحسنه الألباني
وقال صلى الله عليه وسلم: “..يا كعب بن عجرة الصلاة برهان والصوم جنة حصينة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت(4) إلا كانت النار أولى به” رواه الترمذي وصححه الألباني.
الوصية الرابعة إياك والصخب(5) في الأسواق
فإنه ليس من شيمة العقلاء، وأصحاب المروءة الفضلاء؛ فرفع الصوت من غير حاجة تدعو إليه أمر مذموم ذمه القرآن، قال تعالى: “وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ” لقمان:19.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لِيَلِني منكم أولوا الأحلام والنُّهى(6) ثم الذين يلونهم ـ ثلاثا ـ وإياكم وهيشات الأسواق(7)” رواه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود.
وروى البخاري أن عبد الله بن عمرو سُئِل عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين(8) أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا تجزي السيئة بالسيئة ولكن تعفو وتصفح”.
الوصية الخامسة: التحذير من التلهي بالمال والاشتغال بأسبابه عن ذكر الله
فإن الله أنزل المال ليكون عونا للعبد على ذكره سبحانه، لا ليكون صادا عنه، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ” المنافقون:9.
وعن أبي واقد الليثي قال: “كنا نأتي النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه، فقال لنا ذات يوم: “إن الله عز وجل قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون إليه ثان، ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب” رواه أحمد وصححه الألباني.
وإلى لقاء آخر مع وصايا أخرى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1)- البيع المبرور ما خلص عن اليمين الفاجرة وعن الغش في المعاملة.
2)- أنظر الأفنان الندية شرح منظومة السبل السوية، للشيخ حافظ الحكمي، تأليف: زيد بن محمد المدخلي (1/45-59).
3)- أجملوا في الطلب: بأن تطلبوه بالطرق الجميلة من غير تهافت على الحرام والشبهات.
4)- السحت: الحرام
5)- شدة الصوت وارتفاعه.
6)- أي البالغون والعقلاء.
7)- ما يكون فيها من ارتفاع الأصوات واللغط والمنازعات والخصومات.
8)- أي حافظا للأميين ـ وهم العرب ـ من الكفر والشرك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *