الشبه خطافة… “لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها” رشيد مومن الإدريسي

عجيب أن بعض الناس صارت قلوبهم مقرا للشبهات في العلم والعمل، بعدما كانوا يميزون بين ما هو صواب وما هو زلل، والسر في ذلك الزهادة في الاشتغال بالعلم بله التحقيق والتدقيق وطلب الأثر، “فإن العلم لا يتأتى إلا بالعناية والمباحثة والملازمة، مع هداية الله وتوفيقه”1 ومجالسة أهل العلم والنظر2.

فالباطل المحض لا شك أن الفطرة السوية تنفر منه، أما الباطل المشوب بشيء من الحق فإنه يروج على كثير من الناس “فلا يكاد يوجد حق لا يمكن أن يحاول مبطل بناء شبهة عليه”3.
فالواجب على المرء الكشف عن الحقائق، والنظر فيما وراء الألفاظ، وكشف الغطاء عن الزينة التي وضعت على الضلالات وألبستها لباس الحق بهتانا وزورا، وذلك بأن “يسعى في التمييز بين معدن الحجج، ومعدن الشبهات، فإنه إذا تم له ذلك هان عليه الخطب، فإنه لا يأتيه من معدن الحق إلا الحق، فلا يحتاج إن كان راغبا في الحق قانعا به إلى الإعراض عن شيء جاء من معدن الحق، ولا إلى أن يتعرض لشيء جاء من معدن الشبهات، لكن أهل الأهواء قد حاولوا التشبيه والتمويه، فالواجب على الراغب في الحق ألا ينظر إلى ما يجيئه من معدن الحق من وراء زجاجاتهم الملونة، بل ينظر إليه كما ينظر إليه أهل الحق”4.
وعليه فلا تترك الحق لكل شبهة يوردها مشكك، أو قليل العلم، فإنه “يبعد في مجاري العادات أن يبتدع أحد بدعة من غير شبهة دليل يقدح له، بل عامة البدع لا بد لصاحبها من متعلق دليل شرعي”5.
قال سفيان الثوري رحمه الله: “ما من ضلالة إلا عليها زينة فلا تعرض دينك لمن يبغضه إليك”6.
فهذا الباطل المشوب بالحق هو الذي يسمى شبهة، وهو الذي إذا استحوذ على ذهن ونظر العبد صرفه عن تلمح الباطل الملبس بهذا الحق، فإن “الباطل لا يظهر لكثير من الناس أنه باطل لما فيه من شبهة”7، فـ”الشبهة وارد يرد على القلب يحول بينه وبين انكشاف الحق له”8، ولذلك ما سميت الشبهة شبهة إلا “لاشتباه الحق بالباطل، فإنها تلبس ثوب الحق على جسم باطل، وأكثر الناس أصحاب حسن ظاهر، فينظر الناظر فيما ألبسته من اللباس فيعتقد صحتها”!9.
واعلم يا رعاك الله أن الشبهات أوجبت فساد العلم والاعتقاد كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “الفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد”10.
وعليه أثر عن سفيان الثوري رحمه الله قوله: “من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، ولا يلقها في قلوبهم”.
قال الإمام الذهبي رحمه الله معلقا: “أكثر أئمة السلف على هذا التحذير يرون القلوب ضعيفة والشبه خطافة”11.
وإذا أقبلت الشبهات والهنات فعليك بالتؤدة واحذر الاستعجال فإن العجلة أم الندامات كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إنها ستكون هنات12 وأمور متشابهات فعليكم بالتؤدة، فإن الرجل يكون تابعا في الخير خير له من أن يكون رأسا في الضلالة”13.
ولم يعرج هذا الصحابي الجليل على ذكر الشهوات لعظم شأن الشبهات فإنها أقتل للقلب وأصعب.
قال ابن القيم رحمه الله: “القلب يعترضه مرضان يتواردان عليه إذا استحكما فيه كان هلاكه وموته وهما: مرض الشهوات، ومرض الشبهات، هذا أصل داء الخلق إلا من عافاه الله.
وقد ذكر الله تعالى هذين المرضين في كتابه: أما مرض الشبهات وهو أصعبها وأقتلها للقلب ففي قوله تعالى في حق المنافقين: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا)..”14.
وليعلم أن “الزائغ المتبع لما تشابه من الدليل لا يزال في ريب وشك، إذ المتشابه لا يعطي بيانا شافيا، ولا يقف منه متبعه على حقيقة، فاتباع الهوى يلجئه إلى التمسك به، والنظر فيه لا يتخلص له، فهو على شك أبدا”15.
قال الأصبهاني رحمه الله: “لا ترى أحدا مال إلى هوى أو بدعة إلا وجدته متحيرا ميت القلب ممنوعا من النطق بالحق”16.
فالحذر الحذر من الشبهات فإن تفريغ القلب لها مع الاسترسال ضلال، بل في كثير من الأحايين يبقى أثرها في الصدور بعد التخلي عنها وذاك وبال، كما قال أبو بكر بن العربي رحمه الله: “شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع” 17، “فلا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها18 ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليه صار مقرا للشبهات”19.
فالله يمتحن عباده ببعض المتشابه ليميز الخبيث من الطيب، ويمتحن قلوب المؤمنين بما يعرض من الاستشكالات، ولذا فـ”وجود النصوص التي يستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفوا، وإنما هو أمر مقصود شرعا ليبلو الله تعالى ما في النفوس، ويمتحن ما في الصدور، وييسر للعلماء أبوابا من الجهاد العلمي، ويرفعهم الله به درجات”20.
والقاعدة عند المتشابهات ردها إلى المحكمات كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}.
قال العلامة السعدي رحمه الله: “وأما الراسخون في العلم فالسبب في استقامتهم: رسوخهم في العلم في كماله وتحقيقه وإيمانهم الصحيح.. فيردون المتشابه المحتمل للوجهين إلى المحكم الواضح فيصير الجميع محكما ويزول الاشتباه إذا رد المتشابه إلى المحكم”21.
كما أن الواجب عند اشتباه الأمر في العلم والعمل مع عدم ظهور وجه الصواب: التوقي والاجتناب، ومن نفيس ما قيل في هذا الصدد ما أثر عن سفيان الثوري رحمه الله حيث قال: “يقتدى بعمر في الجماعة، وبابنه في الفرقة”22.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني رحمه الله 1/5.
2. يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: “فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضرة، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي من قرائن أحوال، وإيضاح موضع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال، وقد يحصل بأمر غير معتاد، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم، ظاهر الفقر بادي الحاجة إلى ما يلقى إليه” الموافقات 1/145 تحقيق مشهور.
3. الأنوار الكاشفة للمعلمي اليماني رحمه الله 299.
4. التنكيل للمعلمي رحمه الله 2/217.
5. الاعتصام للشاطبي رحمه الله 2/136.
6. الحجة في بيان المحجة 2/484.
7. درء التعارض 7/170-171.
8. مفتاح دار السعادة لابن القيم رحمه الله 1/140.
9. نفسه 1/441.
10. إغاثة اللهفان 15.
11. السير 7/261.
12. الهنات: هي: “الشرور والفساد، يقال في فلان هنات أي: خصال شر” النهاية في غريب الحديث 5/279.
13. شعب الإيمان 7/297، كنز العمال 3/1231.
14. مفتاح دار السعادة1/367.
15. الاعتصام 2/237.
16. الحجة في بيان المحجة 1/431.
17. السير 19/327.
18. قال الحارث المحاسبي رحمه الله: “واعلم أن أنجى طريق للعبد: العمل بالعلم، والتحرز بالخوف، والغنى بالله عز وجل. فاشتغل بإصلاح حالك، وافتقر إلى ربك، وتنزه عن الشبهات..” رسالة المسترشدين 191.
19. من وصايا الإمام ابن تيمية رحمه الله لتلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله انظر مفتاح دار السعادة 1/441، وعلق عليها ابن القيم رحمه الله قائلا: “فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك”.
20. الأنوار الكاشفة 223.
21. مجموع الفوائد للعلامة السعدي رحمه الله 123.
22. نقله الذهبي رحمه الله في تذكرة الحفاظ 1/32، وقد استهله الذهبي رحمه الله بقوله: “وما أحسن قول سفيان الثوري..”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *