مجاوزة الحد عند الرد.. “ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدَّة فيقع في الهجران المحرم” رشيد مومن الإدريسي

من الأصول المقررة عند أهل السنة: أن الرد على المخالف والمخطئ، وبيان الباطل والإنكار على من وقع فيه -لمن تأهل لذلك وأحسنه- من أهم المهمات وأعظم الواجبات، فـ” أرباب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يشهر للناس فسادها وعيبها، وأنهم على غير الصواب، ليحذرها الناس الضعفاء فلا يقعوا فيها، وينفر عن تلك المفاسد ما أمكن، بشرط أن لا يتعدى فيها الصدق، ولا يفتري على أهلها الفواحش ما لم يفعلوه، بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة، فلا يقال على المبتدع أنه يشرب الخمر، ولا أنه يزني ولا غير ذلك مما ليس فيه”1.

وعليه فمما ينبغي الحذر منه في هذا المقام لعموم البلوى به بين الأنام: التعدي ومجاوزة الحد المشروع عند بيان الباطل والإنكار على أهله، مصداقا لقوله تعالى: “وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى”، ولذا فينبغي على المرء “ألا يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم أو نهيهم أو هجرهم أو عقوبتهم.. فإن كثيرا من الآمرين الناهين قد يتعدى حدود الله إما بجهل وإما بظلم، وهذا باب يجب التثبت فيه، وسواء في ذلك الإنكار على الكفار والمنافقين والفاسقين والعاصين”2، فإنك “إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين الأمة وعلمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل.. كما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، ..وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به وهو الإسراف المذكور في قولهم (ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا)”3.
وها هو الإمام الذهبي رحمه الله يبين أن بغض المبتدعة بلا ميزان شرعي أدى بالبعض إلى تجاوز طريقة السلف والعدول عن النهج السوي فقال في ترجمة يحيى بن عمار رحمه الله: “وكان متحرقا على المبتدعة والجهمية، بحيث يؤول به ذلك إلى تجاوز طريقة السلف وقد جعل الله لكل شيء قدرا” 4.
و في ترجمة ابن منده رحمه الله: “أنه نهى عن الدخول على بعض من وقع في مخالفة مذهب السلف في أمور تخص الاعتقاد، وقال (أي: ابن منده): “على الداخل عليهم أحرج أن يدخل مجلسنا أو يسمع منا، أو يروي عنا، فإن فعل فليس هو منا في حِلّ”.
فعلق الذهبي على ذلك فقال: “قلت: ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدَّة، فيقع في الهجران المحرم، وربما أفضى ذلك إلى التكفير والسعي في الدم”5.
فليس -إذن- من العدل ولا من المروءة أن يستغل المتبع لطريقة السلف الصالح، ومنهج أهل السنة والحديث تبديع العلماء المعتد بهم6 لشخص مثلا وتحذيرهم منه ومن كلامه، فيفرِّغ أحقاده الشخصية، ويلبسها ثوب الحرص على السنة، والنقمة على البدعة، مستجيبا لدعاوي الهوى التي تحركه فيتجاوز الحدود الشرعية وطريقة السلف المرعية، فـ”هيهات هيهات! إن في مجال الكلام في الرجال عقبات، مرتقيها على خطر، ومرتقيها هوى لا منجى له من الإثم ولا وزر، فلو حاسب نفسه الرامي أخاه: ما السبب الذي هاج ذلك؟ لتحقق أنه الهوى الذي صاحبه هالك”7.
فالمبتدع مثلا: “يُبيَّن أمره للناس ليتقوا ضلاله ويعلموا حاله.. وهذا كله ينبغي أن يكون على وجه النصح وابتغاء وجه الله تعالى، لا لهوى الشخص مع الإنسان، مثل أن تكون بينهما عداوة دنيوية 8، أو تحاسد، أو تباغض، أو تنازع على الرئاسة 9، فيتكلم بمساويه مظهرا للنصح، وقصده في الباطن الغض من الشخص واستيفاؤه منه، فهذا من عمل الشيطان”10.
وعند تقرير شيخ الإسلام رحمه الله للقول بهجر المبتدع الداعي لبدعته والتغليظ في ذمه يبين أن “المقصود بذلك ردعه، وردع أمثاله، للرحمة والإحسان لا للتشفي والانتقام”11.
وهذا الخلق من دلائل سعة الصدور وسلامة القلوب12 وهو “مشهد شريف جداً لمن عرفه وذاق حلاوته، وهو أن لا يشغل قلبه وسره بما ناله من الأذى وطلب الوصول إلى درك ثأره، وشفاء نفسه، بل يفرغ قلبه من ذلك، ويرى أن سلامته وبرده وخلوه منه أنفع له، وألذ وأطيب، وأعون على مصالحه، فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده ، وخير له منه، فيكون بذلك مغبوناً، والرشيد لا يرضى بذلك، ويرى أنه من تصرفات السفيه، فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس، وإعمال الفكر في إدراك الانتقام؟”13.
إذا ما المرء أخطأه ثلاث فبعه ولو بكف من رماد
سلامة صدره والصدق منه وكتمان السرائر في الفؤاد
وبناء على ما مرّ قرر العلماء أن المرء “إذا أمكنه الجرح بالإشارة المفهمة أو بأدنى تصريح لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمور المرخص فيها للحاجة لا يرتقى فيها إلا إلى ما يحصل الغرض”14.
قال اللكنوي رحمه الله: “لما كان الجرح أمرا صعبا، فإن فيه حق الله مع حق الآدمي، وإنما جوز للضرورة الشرعية15، حكموا بأنه لا يجوز الجرح بما فوق الحاجة..” 16.
ومن تم فما ينبغي لنا أن نطلق “الكلام على أحد بالجزاف، بل نعطي كل شيخ قسطه، وكل راو حظه، والله الموفق لذلك، المان بما يجب من القول والفعل معا”17.
كما يجب أن يعلم في هذا السياق قبح التعميم بغير وجه حق ولا حد، عند النقد أو الرد فإنه من أكثر الأخطاء انتشارا بين الناس وله صور، منها:
– من يعمم الحكم على الأعمال بمجرد النظر إلى عمل واحد، وفي ذلك جور في الحكم!
– ومن الناس من يعمم الحكم على شخص بالنظر إلى مرحلة واحدة من مراحل حياته، ربما تغير عنها وفي ذلك تعد وظلم!
– ومن الناس من يعمم الحكم على طائفة من الناس من خلال النظر إلى حال شخص واحد أو أشخاص منها!
وقد ذكر الغزالي رحمه الله قصة رمزية في خصوص هذا تستحق التأمل مفادها: أن ثلاثة من العميان أدخِلوا على الفيل، وكانوا لم يروه من قبل فوضع أحدهم يده على رجله، ووضع الآخر يده على ذيله، ووضع الثالث يده على بطنه، فلما خرجوا سألوهم: ما الفيل؟
فقال الأول: الفيل كسارية المسجد.
وقال الآخر: الفيل كخرطوم طويل به شعر كثيف.
وقال الثالث: الفيل كالجبل العظيم الأملس!
فأدخلوا مرة أخرى على الفيل، وأمسكوا بجميع أجزائه، وعندها ضحكوا من تعريفاتهم السابقة للفيل واستطاعوا أن يصفوه على حقيقته 18.
فالزم يا رعاك الله جادة الوسطية والاعتدال وعليك بالاتزان حتى لا تخرج إلى طرفي الإفراط أو التفريط فيختل الميزان فإن “العدل واجب لكل أحد على كل أحد في جميع الأحوال، والظلم لا يباح منه شيء بحال”19.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. الفروق 4/362 مع هوامشه.
2. الفتاوي لابن تيمية رحمه الله 14/481.
3. نفسه 14/483.
4. السير للذهبي رحمه الله 17/481.
5. نفسه 17/41.
6. قال الإمام الذهبي رحمه الله: “ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ، مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى العلماء والإتقان، وإلا تفعل:
فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد
فإن آنست من نفسك فهما وصدقا ودينا وورعا، وإلا فلا تتعن، وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي أو مذهب، فبالله لا تتعب، وإن عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله فأرحنا منك ” الرفع والتكميل في الجرح والتعديل 57.
7. من كلام الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله في الرد الوافر 13.
8. قال القرافي رحمه الله في معرض ذلك: “متى كان لأجل عداوة أو تفكه بالأعراض وجريا مع الهوى فذلك حرام ” الفروق 4/361 مع هوامشه.
9. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: “ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى وتتبع عيوب الناس وكره أن يذكر أحد بخير” جامع بيان العلم 1/143.
10. الفتاوي لابن تيمية رحمه الله 28/221.
11. منهاج السنة 5/239.
12. قال سفيان بن دينار رحمه الله: قلت لأبي بشير وكان من أصحاب علي رضي الله عنه: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: “كانوا يعملون يسيرا ويؤجرون كثيرا” فقال سفيان: ولم ذلك؟ قال: “لسلامة صدورهم” أخرجه هناد في الزهد 2/600.
13. مدارج السالكين 2/320.
14. قاله السخاوي رحمه الله في فتخ المغيث 3/272.
15. قال السخاوي رحمه الله: “لا يجوز التجريح بسببين إذا حصل بواحد، فقال العز بن عبد السلام في قواعده: إنه لا يجوز للشاهد أن يجرح بذنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما، فإن القدح إنما يجوز للضرورة، فليقدر بقدرها. ووافقه عليه القرافي وهو ظاهر” فتخ المغيث 3/325.
16. انظر الإعلان بالتوبيخ 68.
17. من قالات الإمام ابن حبان رحمه الله في كتابه الثقات 6/218، وقال كذلك رحمه الله: “لسنا ممن يوهم الرعاع ما لا يستحقه، ولا ممن يحيف بالقدح في إنسان، وإن كان لنا مخالفا، بل نعطي كل شيخ حظه مما كان فيه، ونقول في كل إنسان ما كان يستحقه من العدالة والجرح” الثقات 7/646.
18. الإحياء 4/7.
19. المظالم المشتركة لابن تيمية رحمه الله 26.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *