مسالك علماء المذهب في تحقيق المذهب المذهب المالكي أنموذجا “تقديم الراجح على المشهور” الحلقة الثانية رشيد مومن الإدريسي

مر معنا في الحلقة الأولى تقرير أن الراجح (وهو الذي قوي دليله) يقدم على المشهور (وهو من كثر قائله) عند التعارض على المعتمد عند المالكية رحمهم الله، وإليكم بعض التطبيقات والأمثلة التي تخص ذلك:

مسألة تحية المسجد وقت خطبة الجمعة
المشهور من مذهب مالك رحمه الله أن تحية المسجد لا تجوز وقت الخطبة، وعليه عول خليل رحمه الله في مختصره عاطفا على المحرمات قائلا: “وابتداء صلاة بخروجه وإن لداخل” مواهب الجليل 2/179، وانظر المدونة 2/274.
وقد نقل ابن شاش وأبو بكر بن العربي القول بجواز تحية المسجد وقت الخطبة عن محمد بن الحسن عن مالك1، واختاره السيوري المالكي من شيوخ المذهب انظر مواهب الجليل 2/179.
قال النفراوي المالكي رحمه الله: “ما ذكرناه من حرمة الصلاة بعد خروج الخطيب ولو للداخل هو مشهور المذهب ومقابله جواز إحرامه ولو حال الخطبة، وعليه السيوري من علمائنا2”. الفواكه الدواني 1/412.
وعليه فالراجح في المذهب القول بالمشروعية لدلالة الحديث بصراحة3على ذلك، وهو حديث سليك رضي الله عنه من رواية جابر رضي الله عنه قال: “دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله عليه الصلاة والسلام يخطب، فقال: صليت؟ قال: لا، قال: فصل ركعتين” رواه الجماعة.
والقول بأن هذا الحديث خاص بسليك رضي الله عنه وعليه فهو إذن واقعة عين لا عموم لها تكلف وتحكم، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و”الخصائص لا تتبث بالاحتمال” كما قال الحافظ في الفتح 1/245، ولذا قرر العلماء أن القول بالخصوصية في المسائل تحتاج إلى دليل لا مجرد دعوى. انظر الجامع لأحكام القرآن 3/193 للإمام القرطبي المالكي رحمه الله 4.

مسألة القبض والسدل في الصلاة
جاء في المدونة 1/74: “وقال مالك في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة قال5: لا أعرف ذلك في الفريضة ولكن في النوافل إذا طال القيام فلا بأس بذلك يعين به على نفسه”.
وعلى مذهب المدونة جرى غير واحد من المالكية كابن عاشر رحمه الله في منظومته الشهيرة:
ردا وتسبيح السجود والركوع سدل يد تكبيره مع الشروع
فقيل أن القول بالسدل عند السادة المالكية هو مشهور مذهبهم لأجل ذلك.
قال أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله: “اختلف في ذلك علمائنا على ثلاثة أقوال، الأول: لا توضع في فريضة ولا نافلة.. الثاني: أنه لا يفعلها في الفريضة، ويفعلها في النافلة.. الثالث: يفعلها في الفريضة وفي النافلة، وهو الصحيح، روى مسلم عن وائل بن حجر أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يرفع يديه عندما دخل في الصلاة حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى” أحكام القرآن 4/1978.
وعليه فالقول الراجح الذي دل عليه الدليل في المذهب القول بمشروعية القبض في صلاة الفرض والنفل حتى قال الباجي المالكي رحمه الله: “وأما وضع اليمنى على اليسرى فقد أسند عن النبي عليه الصلاة والسلام من طرق صحاح..” المنتقى 1/281.
بل قال ابن عزوز المالكي رحمه الله بعد تقرير المشروعية: “وقد أسلفنا ما لا مزيد عليه وبذلك تعرف أنه لم يبق في يد صاحب السدل قوة دليل ولا كثرة قائل6 وقد حصحص الحق لمن كان له تثبت وذوق عند طلب حقائق المسائل” هيئة الناسك في أن القبض في الصلاة هو مذهب الإمام مالك 134.

مسألة صيام ستة أيام من شوال
جاء في الموطأ: “قال يحيى: وسمعت مالكا يقول7: في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان أنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم، ورأوهم يعملون ذلك” 1/209.
وعلى مشهور المذهب هذا جرى خليل رحمه الله في مختصره.
وقال الإمام القرطبي المالكي رحمه الله: “ويستحب له أن يصوم من شوال ستة أيام لما رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كان له كصيام الدهر)” الجامع 2/331.
فالقول الراجح ما ذهب إليه الإمام القرطبي رحمه الله لدلالة السنة الصحيحة الصريحة على ذلك8.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. ” ولا يلتفت إلى إنكار ابن عرفة على من نقل الجواز عن مالك، لأن نفيه للجواز دعوى تفتقر إلى دليل، فضلا عن أنه معارض بإثبات غيره، ومع المثبت زيادة علم خفيت على النافي، فيقدم من هذه الجهة الإثبات على النفي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ” التعارض بين الراجح والمشهور في المذهب المالكي لقطب الريسوني 84، وانظر عارضة الأحوذي لابن العربي المالكي رحمه الله 2/299، ونيل الأوطار للشوكاني رحمه الله 3/257.
2. وذهب الحافظ ابن عبد البر المالكي رحمه الله إلى التخير بين صلاتها وتركها حالة الخطبة فقال: “قد قدمنا قوله عليه الصلاة والسلام للذي تخطى الرقاب: اجلس، واستعمال الحديثين يكون بأن الداخل إن شاء ركع، وإن شاء لم يركع..” الاستذكار 2/262، وانظر تحرير ذلك وفق ما دل عليه الدليل، كتاب” اختيارات الحافظ ابن عبد البر رحمه الله الفقهية في العبادات” 638 فما بعدها.
3. قال النووي رحمه الله عند ذكر حديث سليك رضي الله عنه: “هذا نص لا يتطرق إليه التأويل ولا أظن عالما يبلغه هذا اللفظ صحيحا فيخالفه” شرح مسلم 3/430.
4. أما ما يروى عن ابن عمرو مرفوعا: “إذا صعد الخطيب المنبر، فلا صلاة ولا كلام” فحديث باطل، أخرجه الطبراني في الكبير وفيه أيوب بن نهيك وهو ضعيف الحديث وقال أبو زرعة: منكر الحديث. انظر مجمع الزوائد 2/184، ونصب الراية 2/201، والفتح 2/409، والضعيفة رقم: 98.
5. وقد مضى معنا بيان عدم صحة نسبة ذلك للإمام مالك رحمه الله على التحقيق.
6. لأنه حرر رحمه الله أن مشروعية القبض هو مشهور المذهب كذلك على خلاف ما هو مشهور كما هو راجحه، وقد نقل في ذلك قول المسناوي المالكي رحمه الله حيث قال: “وقد اجتمع في سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة قوة الدليل وكثرة القائل” هيئة الناسك 133.
7. وقد خرج قوله هذا رحمه الله على جملة من المخارج: قيل كره مالك صومها مخافة أن يلحق الجهلة برمضان غيره، أما صومها على ما أراده الشرع فلا يكره.
وقيل لم يبلغه الحديث، أو لم يثبت عنده، أو وجد العمل على خلافه.
وقيل كره صومها مع وصلها بيوم الفطر أما من صامها أثناء الشهر فلا كراهة.
انظر في ذلك: شرح الزرقاني المالكي رحمه الله على الموطأ 2/190، وبداية المجتهد لابن رشد المالكي رحمه الله 1/308، وعقد الجواهر لابن الشاش المالكي رحمه الله 1/369، والذخيرة للقرافي المالكي رحمه الله 2/530، وأقرب المسالك للدردير المالكي رحمه الله 1/692، والاعتصام للشاطبي المالكي رحمه الله 2/108.
8. وانظر تحرير ذلك وفق الحجة والدليل رسالة تحرير الأقوال في صوم الست من شوال للفقيه المحدث قاسم بن قطلوبغا رحمه الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *