مواقف علماء المالكية اتجاه البدع والمحدثات في الدين

يرى الباحث في المذهب المالكي الأستاذ مصطفى باحو من خلال كتابيه “تغيير المنكر عند المالكية” و”علماء المغرب ومقاومتهم للبدع والتصوف والقبورية والمواسم” وغيرها من المراجع أن الإمام مالك رحمه الله كان من أشد الناس نهيا عن البدع والمحدثات، ومن أشد العلماء تحذيرا من مخالفة السنة، وقد صح عنه في غير ما أثر نهيه الشديد عن البدع التي أحدثها المتكلمون وغيرهم.

ولهذا قال محمد بن وضاح الأندلسي المالكي (ت287) في البدع والنهي عنها (113): وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير..
وقد ورث علماء المالكية عن الإمام مالك هذه الصرامة في رد البدع والمحدثات، بل علماء المالكية من أكثر علماء الأمة تأليفا في البدع، ومن أقدم كتبهم المصنفة في ذاك:
– الرد على المرجئة ليحيى بن عمر بن يوسف الكناني. الديباج (2/336) وترتيب المدارك (4/359).
– الرد على الرافضة لأبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله الزبيدي المعروف بالقلانسي الديباج (1/236) وترتيب المدارك (6/257).
– الرد على أهل الأهواء لأصبغ بن الفرج المالكي. ترتيب المدارك (4/20) والديباج (1/263).
– الرد على أهل البدع لأبي زكريا يحيى بن عون. ترتيب المدارك (4/402).
– الرد على أهل البدع لمحمد بن سحنون. ترتيب المدارك (4/207).
– الدرة السنية الفائقة في كشف مذاهب أهل البدع من الخوارج والروافض والمعتزلة والزنادقة لأبي القاسم الزياني. الإعلام (1/391)…
– ومن المراجع المالكية أيضا في هذا المجال:
– البدع والنهي عنها لمحمد بن وضاح الأندلسي المالكي (ت287هـ).
– ساق فيه نصوصا كثيرة في التحذير من البدع، وبَيَّن خطورة الابتداع، وذكر ما جاء في اتباع الآثار، والنهي عن الجلوس مع أهل البدع وخلطتهم والمشي معهم، وذكر كذلك ما جاء في ليلة النصف من شعبان وعشية عرفة من البدع.
ثم تلاه أبو بكر الطرطوشي محمد بن الوليد الفهري الأندلسي المالكي المتوفى سنة (520هـ) فألف كتابا في ذلك، سماه: الحوادث والبدع.
أنكر فيه عددا من البدع والمحدثات، فذكر منها: الألحان والتطريب في كتاب الله.. وزخرفة المساجد، وكتابة القرآن في الجدران، والاجتماع في يوم عرفة للدعاء، والاحتفال بليلة النصف من شعبان، وصلاة الرغائب، وعد من البدع المحدثة: الاجتماع للتعزية.
وقال (ص:125): قال علماؤنا المالكيون: التصدي للعزاء بدعة ومكروه.
وقال بعد أن ذكر استحباب أن يُبعث إلى أهل الميت طعام: فأما إذا صنع أهل الميت طعاما ودعوا الناس إليه فلم ينقل فيه عن القدماء شيء، وعندي أنه بدعة ومكروه.
وقال (ص:130): فأما المآثم فممنوعة بإجماع العلماء، قال الشافعي: وأكره المآثم، وهو اجتماع الرجال والنساء لما فيه من تجديد الحزن.. والمآثم هو الاجتماع في الصبيحة، وهو بدعة منكرة لم ينقل فيها شيء، وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والسابع والشهر والسنة، فهو طامة.
وتكلم العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي الشهير بابن الحاج (المتوفى سنة 737هـ) في كتابه “المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها وقبحها” على عدد من البدع والمحدثات، وأطال في الرد على من أجاز بعض ذلك.
منها: الاحتفال بالمولد النبوي، وزخرفة المساجد، والمصافحة عقب الصلوات، وعبارته في ذلك: وينبغي له أن يمنع ما أحدثوه من المصافحة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وبعد صلاة الجمعة، بل زاد بعضهم في هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس، وذلك كله من البدع، وموضع المصافحة في الشرع إنما هو عند لقاء المسلم لأخيه، لا في أدبار الصلوات الخمس، وذلك كله من البدع، فحيث وضعها الشرع نضعها، فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى من خلاف السنة. انتهى.
ومن أشهر علماء المالكية محاربة للبدع والمحدثات: العلامة الأصولي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (المتوفى سنة 790هـ) في كتابه الاعتصام.
وهو أحسن مصنف على الإطلاق في بيان أصول البدع وقواعدها، والفرق بينها وبين المصالح المرسلة والاستحسان وغيرها مما لا تكاد تجده إلا فيه.
وقد أنكر فيه رحمه الله عددا من البدع، منها على سبيل المثال: ..الاجتماع للذكر، والدعاء جماعة جهرا دبر الصلوات كما يفعل في بلدنا، والاحتفال بالمولد النبوي والاستشفاء والتبرك بآثار الأولياء، وتخصيص الأيام الفاضلة بنوع من العبادة لم تشرع لها، والتثويب بالآذان، وتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم والمساجد المنسوبة إليه واتخاذها سنة.. وغير ذلك.
وألف أحمد بن خالد الناصري، (المتوفى سنة 1315هـ) صاحب الاستقصا كتابا حافلا في إنكار البدع والمحدثات، سماه: تعظيم المنة في نصرة السنة (1).
وسبب تأليفه للكتاب أنه قرر أن الذكر بالاسم المفرد بدعة لا تجوز فرد عليه بعض الصوفية، فرد عليهم بهذا الكتاب.
وقد نبه فيه على بدع كثيرة، منها: الذكر الجماعي عقب الصلاة، ورقص الفقراء حول الميت بعد تغسيله، والهيللة أمام الجنازة، واتخاذ القبور مساجد، واتخاذ البوق والمزمار بالمآذن، ورواية حديث من لغا فلا جمعة له يوم الجمعة، كما جرت به العادة ببلدنا، ومساعدة النصارى في أعيادهم ببيع الثوب والأكل لهم ونحوه. وذكر أشياء أخرى يرجع فيها إلى الكتاب.

شدة المالكية في الإنكار على أهل البدع والزيغ
وقد عرف المالكية أيضا بالتشديد في الإنكار على المبتدعة والمبالغة في الرد عليهم، ولهم في ذلك مواقف جليلة وآثار حميدة في شدة علماء المغرب والأندلس عامة وعلماء المالكية خاصة على أهل المناكير سواء المناكير الاعتقادية (الفرق الخارجة عن السنة) أو المناكير في العبادات أو المعاملات أو غيرها، للتدليل على صرامة علماء المالكية ضد أي انحراف عقائدي أو تعبدي أو غيره، ولإظهار استماتتهم في حراسة الدين والفضيلة، وعدم التهاون في نصر الحق، ودفع الباطل.
وهذه الشدة لا تنافي الرفق واللين، فلكل مقام ما يناسبه..
..ففي ترجمة عون بن يوسف وهو من أقران سحنون أنه كان شديدا على أهل البدع قائما بالسنة. ترتيب المدارك (4/91).
وأفتى جماعة من الفقهاء في عهد علي بن يوسف بن تاشفين بإحراق كتاب إحياء علوم الدين للغزالي. وتم إحراقه بالفعل.
وأحرق جماعة من الفقهاء كتب خليل بن عبد الملك لقوله بالاعتزال. تاريخ ابن الفرضي (ص:120).
وكان الخليل هذا صديقا لمحمد بن وضاح القرطبي الإمام الكبير، ثم لما تبين له أمره هجره. وكذا طرده بقي بن مخلد من مجلسه. المصدر نفسه (ص:120).
وقال ابن الفرضي في ترجمة محمد بن أحمد الفارسي القيرواني (383): وكان خيِّرا فاضلا متمسكا بالسنة، شديد الإنكار على أهل البدع صليبا، وامتحن في ذلك.
وفي ترجمة يحيى بن عبد الرحيم الأشعري من الديباج (2/339): وكان رحمه الله تعالى عالما من أعلام الأندلس ناصرا للسنة رادعا لأهل الأهواء.
وأفتى القاضي أبو الحسين عمر بن أبي عمر بقتل ابن أبي العراقيدي لأنه كان يذهب مذهب الحلاج الصوفي المشهور. ذكره القاضي عياض في ترتيب المدراك (5/258)، وقال: وفي أيام أبيه أبي عمر قتل الحسين بن منصور الحلاج بفتواه (أي: فتوى أبيه) وفتوى أبي الفرج المالكي ومن وافقهما من المالكية.
وذكر القاضي عياض كذلك في ترجمة جبلة بن حمود الصدفي تلميذ سحنون (4/375) أنه كان شديدا على أهل البدع، قال: كان رحمه الله شديدا في ذلك، لا يداري فيه أحدا، ولم يكن أحد أكثر مجاهدة منه للروافض وشيعهم، فنجاه الله منهم.
ونقل عنه (4/376) أنه قال في الروافض: جهاد هؤلاء أفضل من جهاد الشرك.
وفي المعيار (10/150) أن السيوري أفتى بإخلاء مسجد من الوهبية الخوارج(2) وسجنهم وضربهم. وأفتى أبو الحسن اللخمي باستتابتهم، وإلا ضربوا وسجنوا.
وانظر المعيار كذلك (2/446) (11/168) في استتابتهم وطردهم من المسجد.
وفي ترجمة أحمد بن علي بن أحمد بن رَزْقون: استقضي فحمدت سيرته، واشتدت وطأته على أهل الفساد والدعارة. الديباج (1/192).
هذه هي مواقف المالكية حقا، وهذا هو التعبير الصحيح عن الالتزام بالمذهب المالكي..
هجر أهل البدع والمنكرات
ومن صور إنكار المنكرات عند علماء المالكية: هجر فاعل المنكرات وترك السلام عليه وعدم الصلاة خلفه وغير ذلك..
قال ابن بشكوال في الصلة (88) عن ابن شنظير: إبراهيم بن محمد الطليطلي: وكان سنيا منافرا لأهل البدع والأهواء، لا يسلم على أحد منهم.
وقال في ترجمة يحيى بن سعيد الرصافي المعروف بابن الطواق (513): وكان من أهل السنة مجانبا لأهل البدع وتاركا لها ولأهلها.
وفي سل النصال لابن سودة (87) أن العلامة علي بن اليزيد الحسني (المتوفى سنة 1357) هجر رجلا من وجهاء فاس وأعيانها لأنه سب معاوية بن أبي سفيان. (تغيير المنكر عند المالكية، للأستاذ مصطفى باحو).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- منه عدة نسخ مخطوطة بالخزانة العامة، رقم (66-530 د) والصبيحية، رقم (346)، وبخزانة الشيخ أبي خبزة.
2- ويقال لها أيضا الوهابية، وليست هي الوهابية المنسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، بل هي جماعة من الخوارج (الإباظية)، منسوبة إلى إمامهم عبد الوهاب بن رستم، تغلغت في المغرب بسبب حب المغاربة لآل البيت ولقوا السند الكبير من قبل أحمد التيجاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *