الأديب الشاعر محمد الحلوي رحمه الله في “مساجلة.. مع المتنبي” أحمد السالمي

إذا كان الشيخ عبد الله كنون رحمه الله ألف كتابه “النبوغ المغربي” -ذلك العمل الأدبي والوطني الفذ- لإبراز الأدب المغربي الرصين وبيان دوره في إغناء خزانة الأدب العربي؛ ولجهل العرب -وحتى المغاربة- بالتراث المغربي في هذا الميدان؛ وبدافع التأثر والشعور بنفس شعور الشيخ عبد الله كنون، نقوم إن شاء الله بين الفينة والأخرى بتجلية حياة أديب مغربي حتى نتعرف على مكانة الأدب المغربي في العالم العربي، ونبين أن أدبنا المغربي لا يقل عن أدب باقي البلدان العربية الأخرى.
والقصيدة التي بين أيدينا ستبين لنا مدى قوة الشعراء المغاربة على مضاهاة ومساجلة أكبر الشعراء لا في هذا العصر فحسب بل في كل العصور، وخير دليل على هذا؛ مساجلة الشاعر محمد الحلوي للشاعر أبي الطيب المتنبي، فقد جاءت هذه المساجلة فائقة في حسنها بديعة في فنِّها، كأنها إنتاج قريحة شاعر واحد.
ترجمة الأديب
ولد الشاعر الأديب محمد الحلوي عام 1922 بمدينة فاس، وتلقى تعليمه بالمدارس الوطنية وتخرج من جامعة القرويين مجازاً في اللغة العربية وعلومها 1947.
بدأ تجربته الشعرية في العقد الثاني من عمره، عايش خلال شبابه صراع السلفية ضد الانحراف الديني، والصراع السياسي ضد الاحتلال، وكان يعبر عن رأيه بالحرف والكلمة مما جره إلى السجون ومعتقلات التعذيب. كان من شعراء الطليعة الذين ألهبوا حماس الشعب، وحركوا كوامنه، واحتفت له الجماهير الشيء الذي دفع إدارة الاستعمار الفرنسي أن تضعه في قائمتها السوداء.
وكان يحرز غير مرة على الجائزة الأولى في المباراة التي كان القصر الملكي ينظمها سنويا بمناسبة عيد العرش؛ وكان فيمن عذبوا ونفوا سنة 1944؛ سنة المطالبة بالاستقلال؛ وفي غمرة تلك الأحداث المؤلمة ضاع كثير من شعره.
عرف الحلوي بمحافظته على النظام الإيقاعي التقليدي الذي ظل وفيا له حتى وفاته، ولم يتأثر بدعوات التحرر عن النمط الإيقاعي التقليدي التي كانت سائدة في القرن العشرين.
ترك لنا ديوانا معروفا هو “أصداء وأنغام” طبع في البيضاء في 1965، ولكنه لا يضم كل شعره. كما عرف بقصائده “العرشيات” التي كان يلقيها بمناسبة عيد العرش، كما له ديوان شموع 1988، وأوراق الخريف 1996، وله مؤلف بعنوان: “معجم الفصحى في العامية المغربية”.
قال رحمه الله في مقدمة ديوانه أنغام وأصداء: “أنغامي التي كنت أحدو بها لنفسي في موكب هذه الحياة، وأعوذ بها من اليأس إلى الأمل الحبيب، ومن الوحشية إلى أفق الأنس الرحيب، فأجد فيها الطاقة المجددة للحياة وأستلهمها فتنتهي السلوى والعزاء، هي أنغام وأصداء لفترة كفاح شعب ماجد كسر القيود، واسترجع الحرية”.
وتوفي رحمه يوم الجمعة 22 دجنبر 2004.
القصيدة:
– الأبيات التي بين قوسين للمتنبي والأخرى للحلوي.
(واحرَّ قلباه ممن قلبه شبــــم) *** ومن بقربي منه مثقل بــــرم!
من أشتهي طيفه كيما يؤسسنــي *** (ومن بجسمي وروحي عنده سقم)
(مالي أكتم جبا قد برى جســدي) *** ولاعج الشوق باد ليس ينكتــم
وكيف أخفي أنا حبا أكابـــده *** (وتدعي حب سيف الدولة الأمم)
(إن كان يجمعنا حب لغرتــــه) *** وذكريات عهود ليس تنفصـــم
وكان حظي منه دون حظهــــم *** (فليت أنا بقدر الحب نقتســـم(
)قد زرته وسيوف الهند مغمـــدة) *** وشوقها وهي في الأغماد مضطرم
فكان ملء عيوني في ملاحمـــه *** (وقد نظرت إليه والســيوف دم(
)وكان أحسن خلق الله كلهمـــو) *** بأس وحزم تلاشت عنده الحـزم !
وحسن رأي يجلي كل مظلمــــة *** (وكان أحسن ما في الأحسن الشيم)
***
(فوت العدو الذي يممته ظفــــر) *** والفوت موت لمن فرت به قـدم !
إدباره عنك يا ليث الوغى قــــدر *** (في طيه أسف في طيه نعـــم)
)قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت) *** بهم جحافله موتا به انفصمـــوا
وظل جيشك مرتاحا وقد صنـــعت *** (له المهابة مالا تصنع البهـــم)
(ألزمت نفسك شيئا ليس يلزمهـــا) *** وأنت فيما يرضى الله ملتــــزم
أقسمت يوم صببت الموت فوقهـــم *** (أن لا يواريهم أرض ولا علــم)
(أكلما رمت جيشا فانثنى هربــــا) *** يطير خوفا ولا ينجيه معتصــم
وظن أن الفرار المر يفلتـــــــه *** (تصرفت بك في أثاره الهمــم)
(عليك هزمهمو في كل معــــترك) *** وسقيهم خمرة النصر الذي وهمـوا
على رجالك أن يبلوا بلاءهمـــــو *** (وما عليك بهم عار إذا انهزمــوا(
)أما ترى ظفرا يحلو سوى ظفـــر) *** تشدو الحداة به والطير والنســم؟
ولست ترتاح إلا أن تراه وقـــــد *** (تصافحت فيه بيض الهند واللمــم)
***
(يا أعدل الناس إلا في معاملتـــي) *** أينصفون وحقي فيك مهتضـــم؟
لمن أقاضيك في حب ظلمـــت به *** (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم)
(أعيذها نظرات منك صــــادقة) *** وكيف تخطئ في رئي وتتهم؟
وأنت صنو إياس في حصافتـــه ***(أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم)
(وما انتفاع أخي الدنيا بناظـــره) *** فيما يراه حواليه ويزدحـــــم !
وما ستجديه عينان ازدهى بهمـــا *** (إذا استوت عنده الأنوار والظلـم؟)
***
(أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبــي) *** ولقن الشعر من قد عاقه البكـم
وردد الكون أصدائي مرتلـــــة *** (وأسمعت كلماتي من به صمم(
)أنام ملء عيوني عن شواردهـا) *** أذود أشتاتها عني فتنتـــظم
تضيء كالومض في قلبي روائعهــا *** (ويسهر الخلق جراها وتختصم(
(وجاهل مده في جهله ضحكـــي) *** وغض طرفي كأني سادر وجم
(ما زال يمعن في شتمي ومنقصـتي) *** ويستفز حليما ليس يحتـــدم
ولم يزل يتمادى في حماقتــــه *** (حتى أتته يد فراسة وفـــم)
(إذا نظرت نيوب الليـــث بارزة) *** يمشي الهوينى وتخفي ظله الأجم
كأنه حمَل تغري وداعتــــــه *** (فلا تظنن أن الليث يبتســـم)
(ومهجة مهجتي من هم صاحبهــا) *** أنا شجاه الذي في حلقه يـــرم
هبت تطاردني حتى إذا انبهـــرت *** (أدركتها بجواد ظهره حـــرم)
(رجلاه في الركض رجل واليدان يد) *** كأنه هرم يعدو به هــــرم !
عنانه رائد يهدي قوائمـــــــه *** (وفعله ما تريد الكف والقــدم)
(إذا ترحلت عن قوم نزلت بهـــم) *** وكان للضيف في أعقراهم حرم
ففارقوك على طوع وقد قـــدروا *** (أن لا تفارقهم فالراحلون همو!)
***
(شر البلاد بلاد لا صديق بهـــا) *** صحراء مجدبة أحياؤها رمــم
وخير من تصطفي للود مؤتمـــن *** (وشر ما يكسب الإنسان ما يصم(
)وشرقا قنصته راحتي قنـــص) *** كأنه في يدي بعد العنا عـــدم !
لا فضل للمرء في خير ينولـــه *** (شهب البزاة سواء فيه والرخـم(
)بأي لفظ تقول الشعر زعنفـــة) *** أقوى عمالقها في بحره قـــزم!؟
أبعد ما عافت الدنيا رطانتــــها *** (تجوز عندك لا عرب ولا عجم؟(
)هذا عتابك إلا أنه مقـــــة) *** وزفرة من فؤاد شجوه نغــــم
وتاج شعر تناهى في أصالتـــه *** (قد ضمن الدر إلا أنه كلــم!)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *