رمضان في واحة الشعر عبد المجيد آيت عبو

أظلنا شهر عظيم عند الله تعالى، وهو أعظم الشهور عنده، خصه بفضائل كثيرة. والمؤمن الصادق يفرح بقدومه، ويسعد بأيامه ولياليه. أما العاصي المذنب فإنه يرى رمضان منغصا عليه لذاته وشهواته. وفي هذا المقال بيان لحالة الطائفتين على لسان الشعر:

قال بعضهم متسخطا من رؤية هلال رمضان:
لاَحَ لي حَاجب الهلال عِشاء *** فـتَـمنيت أنني من سَرَابِ
قلت أَهلا وليس أهلا لما قلـ *** ـت ولكن أَسمعتها أصحابِي
مُظْهِرٌ حُبه وعندي بُغْــض *** لـعدو الكؤوس والأَكوابِ
فهو يتشاءم من شهر الصيام ويراه عدو شهوته، وقال آخر:
عَلِّلاَنِـي نَعِـمْتُمَا بِمُدامِ *** واسقِيَانِي من قبل شهر الصيام
وقال آخر محروم لم ينعم بنسمات الصيام، مشتكيا من طول أيامه ولياليه:
شهرُ الصيام وإن عظَّمت حرمتهُ *** شهرٌ طويلُ بطيء السير والحركهْ
يَمشي الهوينا إذا ما رامَ فـرقتنا *** كـأنهُ بـطةٌ تـنجرُّ في شبكه
وقال آخر:
قوموا إلى لذاتكم يا نـيام *** وأترعوا الكاس بصفو المـدام
هذا هلالُ الشهرِ قد جاءنا *** بـمنجلٍ يحصدُ شهرَ الصيام
وقال آخر واصفا ليلة القدر:
يَا ليلة القدر قد كَسَّرْتِ أرجلنا *** يـا ليلة القدر حَقًّا ما تُمَنِّينَا
لا بارك الله في خير أُؤَمِّـلـه *** فـي ليلة بعدما صُمْنَا ثَلاَثينَا
هذه حالة بعض المحرومين في شهر الصيام، أما المتقون فمسرورون مغتبطون بقدوم هذا الضيف الكريم، قال الشاعر:
شهرُ الصّيامِ أَجلُّ شَهْرٍ مُقْبِلِ *** وبه يُمَحَّصُ كُلُّ ذَنْبٍ مثْقِلِ
وقال آخر:
أَتَى يَرْوِي الوَرَى جُودًا فأهلاً *** بِجُودِ الغيث من حوض الغمام
نَعَمْ رمضانُ نِعْمَ الضيفُ وَافَى *** بِأُنْــسِ أَمَانِهِ بَين الأنـام
قِرَاهُ واجـب بِرٌّ وتـقوى *** وإن البر مـن شـيم الكرام
ولي في هذا المعنى:
رمضان ضيف حل فالتمس القرى *** وانعَم بـهِ بَينَ الكرام مبشِّرَا
وأَعِدَّ زَادَ الصَّبْرِ والتقوى وكُـنْ *** بالجود والإحسان غصنا مُثْمِرَا
وقال آخر:
جَاءَ الصيام فجاء الخير أجـمَعُهُ *** تَرتيلُ ذكرٍ وتحميدٌ وتسبيحُ
فالنفس تَدْأَب في قولٍ وفي عَمَلٍ *** صومُ النَّهار وبالليل التَّراويحُ
وقال آخر:
فهو المبجل والمعظمُ قدرُه *** خير الشهورِ وسيِّدُ الأزمان
فيه يضاعَفُ كلّ فعل صالحٍ *** وتضاعَفُ البركاتُ للإنسانِ
فالصائمِون القائمِون تجمَّعُوا *** عندَ الحسابِ بروضةِ الرِّضوانِ
فوزاً لهمْ إذْ أدخلوا جنَّاتِهم *** بيضُ الوجوهِ بمَوْقِفِ الرَّيَّانِ
وقال آخر:
شهر الصّيام مباركٌ قد خصّه *** ذو الطّول فيه بفضلهِ واختارهُ
فإذا أتى فتَح الإله جِـنانَهُ *** للصَّـائمين لـهُ وأغلق نارهُ
وقال آخر:
فَانْعَمْ بِشَهْر الصَّوْمِ عَيْناً إنَّهُ *** شَهْرٌ تَنَالُ بِصَـوْمِهِ القُربَانَا
نِعَماً مِنَ اللَّهِ ارْتضَاكَ لِنَيْلِهَا *** وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَا الرضْوَانَا
فَاسْعَدْ بِمَغْفِرَةِ الإلَهِ فَلَمْ يَزَلْ *** يَمْحُو الذنُوبَ وَيَمْنَحُ الغُفْرَانَا
وقال آخر مبينا أن حقيقة الصوم أن ينتهي العبد عما حرم الله:
طوبَى لعبدٍ صـام لله عـن *** مطعومه شهراً ومشروبهِ
وصانَ عن قول الخنا صومه *** ولـم يَـشُبْهُ بأكاذيبهِ
والتمسَ الأجر على صومه *** من ربِّه فـي تركِ محبوبهِ
فالصَّوم لله كما صحَّ عـن *** نبيِّه والله يَجــزي بهِ
وقال آخر:
شهرُ الصّيام سيِّدُ الشُّهورِ *** كما أتى فـي الأثر المشهور
ولم يزل فِي سالف الدّهور *** محترماً ذا بـهـجة ونور
فلتحرصوا فيه على الأجور *** واجتنبوا اللَّغوَ وقول الزُّور
وانتبهوا للعرض والنـشور *** قبل حـلول ظلمة القبور
وقال سهل بن مالك الغرناطي:
لاَ تجعلنْ رمضانَ شهر فُكَاهةٍ *** تُلهيك فيه من القبيحِ فنونُه
واعلم بأنّك لا تنال قـبولَه *** حتَّى تُكرِّمَ صومَه وتصونُه
وقال أيضاً:
إِذَا لَمْ يَكنْ في السمع منّي تصـاونٌ وفي بصري غَضٌ وفي منظري صَمْتُ
فحظّي إذن من صومِيَ الجوعُ والظما وإن قلت إنّي صمتُ يوماً فما صُمْتُ
وقال آخر واصفا حال بعض الناس في رمضان من التفنن في ألوان الطعام والشراب، والإسراف في المأكل والمشرب:
وإني لا أصوم صـيام قوم *** تَكَاثَر فـي فُطورهم الطعَامُ
إذا رمضان جاءهم أعَـدُّوا *** مَطاعمَ ليس يُدركها انهضَامُ
فإن وضح النهار طَوَوا ِجياعاً *** وقد نَهِموا إذا اختلط الظلامُ
وقالوا يا نَهار لئن تُـجِعنا *** فإن الليل منك لنا انتقامُ
وناموا مُتْخَمين على امتلاء *** وقد يتجَشّؤُون وهم نيامُ
فَقُل للصائمين أداء فـرض *** ألا ما هكذا فُرِض الصيامُ
وعباد الله الصالحون يحزنون لفراق هذا الشهر المبارك، ويألمون لانصرامه بعد أن أنِسوا به، ويتمنون أن لو كانت أشهر السنة كلها رمضان. قال الشاعر:
ألا إنَّ شهر الصَّوم عنكم قد انقضى فهل مرجع منكم لوشك انصرامهِ
وهل فيكم مستوحش لفراقه *** وما فاته مـن صومـه وقيامهِ
فلا تُغْفِلُوا يا قوم إخراج حقّه *** وأدُّوا زكاة الفطر عـند تمامهِ
وما شرعت إلاَّ لتكفير لَغْوهِ *** ولم تُقْضَ إلاَّ طُــهرةً لصيامهِ
فقد فازَ مَن زكَّى زَكَاةً لربِّه *** وحاز بشهر الصَّوم تكفير عامهِ
وقال ابن الصباغ الجذامي:
هذا فَديتك شهر صومك راحل *** وكأنه بـرق أَضَـاءَ فأَومَضَا
أَتُرَاكَ قد حسَّنت فيه جِـواره *** وقضيت فيه حقوقه فقد انقضا
أسفي على شهر مسَرَّاتِـي به *** كانت تتاح فأعرضت مذ أعرضا
شهر الصيام نأى فيا عيني اسكبي *** دمع الجفون مذَهَّباً ومُـفَضَّضَا
لا يجتني ثـمر المنى من روضـه *** إلا فتى في ليله ما غـمّـضَا
وقال ابن زمرك:
ولله من شهر الصيامِ مُوَدعٌ *** على كلِّ محتوم السعادة يكرُمُ
تنزّل فيه الذكْرُ من عنْدِ ربّنا *** فَيُبْدَأُ بالذكر الجميـل ويُخْتَمُ
ولله فيه مـن لـيال منيرةٍ *** أضاء بنور الوحي منهن مظلمُ
ولله فيه ليلة القدر قد غدت *** على ألف شهر في الثواب تُقَدَّمُ
تبيتُ بِها حتى الصباح بإذنه *** ملائكةُ السَّبعِ الطبـاقِ تُسلِّمُ
وبشرى بعيد الفطر أيمن قادم *** عليك بِمجموع البشائر يَقْدّمُ
وقال عمر اليافي:
على فَقد شهر الصوم تَجري المدامعُ *** وتندبه عند الفـراق الجــوامعُ
وتصبح منه الأرض مقفَـرَة الربَى *** وكم جادَها غيثٌ من الفضل هامعُ
فكم هو أحيا دارساً مـن قلوبنـا *** وكم أربَعَت مذ حلَّ فيـها المرابعُ
وكم خَفَقَت مذ جاء ألويةُ الهدى *** وكم أعينٍ قرّت ولذّت مـسامعُ
أيا رمضانُ الزَّائِرُ الرَّاحِـلُ الَّذِي *** تُوَدِّعُنا بالبين هل أنت راجــعُ
فسامح ذوي التقصير واصفح تكرّماً *** فمنك لنجم العــفو فينا مواقعُ

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *