وقفات مع كتاب التعالم إعداد: عابد عبد المنعم

ومن التعالم: ضريبة الثراء المشبوه في أقل أحواله والجاه الموهوم في جل أحواله؛ فيسوق المريض به داء الغرور إلى دعوى العلم والتحقيق وبذل جهود في خدمة التراث وإحياء مآثر الأسلاف؟

فهذا يبدل من ماله وذلك يبذل من جاهه لمن لزمه الإعدام مع علمه ليحقق له كتابا أو يحضر له مؤلفا ويرسم على طرته بلا حياء “تحقيق فلان” أو “تحقيق ودراسة فلان”؛ والله يعلم أنه لكاذب.
والمريض بهذا التعالم يعلم انه لكاذب مخاتل(1) لنفسه مخادع؛ وكم طالب علم يعمل انتحال هذا المتعالم؛ إما لعدم قدرته؛ وإما لإثقاله بأعمال لا يستطيع معها تصحيح الدعوى مع فريته؟
ومن وراء هذين صنف ثالث مفلس من المال والجاه والعلم خزينته أصفار؛ وخزانته بلا أسفار؛ وهزائم لا تعرف العزائم؛ يسعى من أثقلته لبناء مجد موهوم؛ فيسرق كتاب هذا؛ ويشتري جهد هذا؛ ويخرج للناس عشرات المؤلفات وهو مفلس منكود؛ ومفتحض منبوذ…
وقد وقفت على حقائق في هذا؛ من هذا الثالوث الخاسر المسيء للحقيقة والواقع والزمن كفيل بكشف هذا التجني، وعلى براقش نفسها تجني(2) وإلا فهو في سعة من هذا التبني؛ والسعيد من وقف عند حده ولم يتجاوز طوره وإن “الكساح الصادق أسعد من المتعالم الكاذي”.
ونترك الكشف عن ذلك إلى حين والله المستعان.
وأما الصعقة الغضبية: والتي يثناتر الصبر دونها فهي تلك الخلة من بعض من أخذته شرة الشباب(3) وسطوته في تعالم ورياء وعجب وكبرياء وإعلان لضعف ميراثه من هدي النبوة في أدب الحديث والمجالسة وإنزال الناس منازلهم.
وكم في هذا من إيحاش(4) للنفس وزرغ للأضغان؛ وبالجملة فهذا نفس بذيء في مسلك رديء.
وبيانه: أن بعض من هذا حاله من مبتدئ في الطلب؛ أو ممن عفا على معلوماته الزمن؛ تجده يلتقط المسألة والمسألتين ويحبر(5) النظر فيها فيتنمر بها في المجالس وفي مواجهة من لا يعشرهم ليظهر فضل علم لديه ويمتحن الأشياخ على يديه.. في مقاصد هزيلة.
وكم في الحضور من يمقته ويقيله ويبغضه ويشينه وقد جُرب على هذا الصنف أنه لا ينشر له القبول في الأرض؛ ثقيل الظل في الطول والعرض؛ مجالسته حمى الربع(6)؛ ورؤيته جذع في العين(7)، وحديثه سمج مغسول بالصابون؛ وبمثله رزق الصمت: المحبة. أعان الله أرضا أقلته ورحم الله تربة وارته. فاحذر أن تكون هذا الملبس المفلس
ومنه شغف المبتدئين بالتأليف: والبداية مزلة. وهذا عين تشيخ الصحفية إذ تعلمه حقيقة “مجذوبا”؛ فتراه يخوض غمار التأليف فيما وصل إليه الأكابر بعد قطع سنين في مثافنة الأشياخ؛ ومسك الدفاتر؛ ثم يأتي هذا المجذوب الطري ويثافن مؤلفاتهم والمطابع تفرز كل يوم لنا قراطيس ورزما إن لم يكن هذا هو الاحتراق في الغرور فما أدري له سببا سواه؛ فنعوذ بالله من هذه الفتنة الصماء.
وأنصح نفسي وإخواني بالجد في الطلب؛ وتحرير المسائل؛ وضبط الأصول؛ وجرد المطولات؛ وكثرة التلقي والدأب في التحصيل؛ ولا يشغل المرء نفسه بالتأليف في مثاني الطلب قبل التأهيل له؛ فإن التأليف في هذه المرحلة يقطع سبيل العلم والتعلم ويعرض المرء فيه نفسه قبل نضوجها.
والتأليف المقبول لا بد أن يكون بقلم من اتسعت مداركه وطال جده وطلبه؛ والصنعة بصانعها الحاذق ومعلمها البارع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- مخاتل: مخادع.
2- براقش: اسم لكلبة ضرب بها المثل في الشؤم على قومها؛ فقيل على أهلها جنت براقش.
3- شرة الشباب: شهوته.
4- إيحاش: إبعاد للمودة وإحلال للكراهية.
5- يحبر: يزين.
6- حمى الربع:الحمى الشيء المحمي والربع الدار وما حاوله؛ والمقصود بحمى الربع: أي لا يخالطه ويعاشره أحد.
7- الجذع: ساق النخلة ونحوها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *