وقفات مع كتاب التعالم “ومن ظواهر التعالم” إعداد: عابد عبد المنعم

ومن أسوأ ظواهر التعالم: “إثبات الشخصية في الرسائل” بما تلقاه عدد من الطلاب في إعداد رسائلهم عن أساتيذهم في الإشراف، والمناقشة من أن وسيلة القبول وعنوان النجاح وقائد الامتياز أن يخوض الطالب غمار الترجيح والاختيار والقبول والرد؟

ولهذا ترى الرسائل محشورة سطورها بهذه العبارات السمجة:
“ترجيحنا، اختيارنا، رأينا، ونحن نرفض هذا القول، ونحن نرى، ونحن لا نؤيد هذا الرأي، وهذا الحديث صحيح، وذاك ضعيف..”.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى:
يقولون هذا عندنا غير جائز ومن انتمو حتى يكون لكم عندُ
وهكذا في بلاء متناسل فالمشرف يزأر على الطالب بإثبات شخصيته من هذا الوجه.
والمناقش يأتي وقد ارتدى -الجبة أو العباءة السوداء- وهذا تقليد كنسي(1) في مناقشة الرسائل -يجب على أهل العلم والإيمان مخالفتهم فيه- يأتي فأول ما يستفتح المناقشة بأنه رأى الطالب قد ظهرت ووضحت شخصيته في إعداد رسالة مشيرا إلى ذلك الوجه.
فلا تسأل عن نشوة الجميع؟ وما بين أيديهم إلا بضاعة مزجاة، يخادعون أنفسهم.
فيجب على أهل العلم والإيمان رسم القنوات الضابطة لإعداد الرسائل التي تصد هذا التعالم الجبري وتكف أغراض عصبة التعصب والله المستعان.
ومنها: مسلك الخساف(2) المتفاصح من كل جسد ملئ حسدا، يتعالج بقرض الأعراض والتمضمض بالاعتراض، وإبرازه باسم العلم وحملته، فينعم الناظر في الكتاب مؤلفا من مئات الصفحات فلا يرى إلا حملة في كل جملة من كيل القذائف، وسل السخائم على حملة السنة وأوعية العلم في الغابر والحاضر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فكم بلي المسلمون بهذا الطراز.
وتجد لهذا مثالا في رسالة أفردتها باسم:
“براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة”.
ومن مظاهر التعالم التزيد في الكلام وهذا من تشبع المرء بما لم يعط، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، والتزيد آفة تجر إلى الوضع، وهو آخية(3) الكذب، بل هو عينه، فيستحق بذلك اسم كذاب وضاع.
وقد نعى الأئمة السالفون على شيخ الديار المصرية ابن دحية المتوفي سنة 633هـ رحمه الله تعالى: ظاهرة التزيد فقال عنه ابن كثير رحمه الله تعالى:
“قال السبط: وقد كان كابن عينين في ثلب المسلمين(4) والوقيعة فيهم ويتزيد في كلامه فترك الناس الرواية عنه وكذبوه..”اهــ.
وأنكروا على شميم الحلي علي بن حسن النحوي اللغوي الشاعر المتوفى سنة 601هـ.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: “كان ذا حمق وتيه، ودعاوٍ كثيرة تزري بكثرة فضائله”اهـ.
وقد احسن أبو عبد الله محمد بن منيع أو ابن قريعة القاضي المتوفى 367هـ حين قال:
لي حيلة فيمن ينـــــــــم وليس في الكذّاب حيلة
من كان يخلق ما يقول فحيلتــــــي فيه قليلـــــة
ومن المتعالمين “الغنادر” جمع غُندر: وهو المشاغب، المتطاول بلسانه الوارث لما لا يورث؛ من التسلط على العباد بدَاءِ الفحش والبذاء، المحروم من ميراث الأنبياء في عفة اللسان، وصيانته من الخنا.
يمارس نفسا بين جنبيه كزّة(5) إذا هم بالمعروف قالت مهلا
والمتطاول -كبت الله باطله- يسل لسانه على العباد فيتقيه المؤمنون ويترفعون عن منازلته؛ فتكون العاقبة لهم، فيرتفع شأنهم عليه، ويكون قولهم الأعلى، أما هذا السليط المتسلط، فهو مبتلى -ويعلم الله- بأعظم بلية وهي: موت القلب، ورؤيته القبيح حسناً، وذهاب رصيده من القبول في الأرض.
وقد رأينا مكتوبا في أخبار بعض العلماء الماضين، من كان مع علمه وفضله اعتراه شيء في اللسَن(6) والصلف منهم: ..دعبل بن علي الخزاعي: كان هجاءً سباباً قيل لابن الزيات: لم لا تجيب دعبلا من التي هجاك بها؟ فقال: “أو كل من قال خشبتي على كتفي يبالى بما قاله” وهو القائل:
لاتَعْجبي ياسلمُ من رجلٍ ضَحِكَ المَشيبُ برأسِه فبكى
أما في هذا الزمان فقد ابتلي أهله بلُسن جهالٍ ادعوا العلم وكافحوا عن دعواهم بالصلف(7) واللسانة(8) والشغب والشراسة وإذا لم يكن مع اللسان عقل يحجزه دل على عيب صاحبه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- كنسي: نسبة إلى الكنيسة فإن القساوسة هم الذين يرتدون هذه العباءة السوداء ونحن مأمورون بمخالفة أهل الكتاب.
2- الخسَّاف: صيغة مبالغة من الخسيفة وهي النقيصة، فالخساف من يكثر الوقيعة في الأعراض.
3- الآخية: عروة تثبت في الأرض تربط فيها الدابة والمقصود بقول الشيخ: آخية الكذب،عموده وقوامه الذي يعتمد عليه.
4- ثلب المسلمين: عيبهم وتنقصهم.
5- كزة: ضيقة منقبضة عن الخير.
6- اللسن: القدح في أعراض الناس.
7- الصَّلف: الكِبْرُ.
8- اللَّسانة: اللسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *