عندما قام المهدي ابن بركة واعظا !!

استهداف الإسلام ورجاله أمر ليس وليد اليوم، بل يضرب بجذوره في الماضي، وربما كان أول مستهدف في الإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعد أن كان الكفار المشركون يلقبونه بالصادق الأمين، صار بعد أن جاءهم بالحق والبينات كذابا وساحرا -فداه أبي وأمي-، وكذلك إخوته الأنبياء من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والشيء نفسه حصل مع أصحابه رضي الله عنهم، ثم اطردت هذه السنة في كل من سار على نهجهم، حتى شملت عصرنا هذا، حيث اشتد عداء العلمانيين لكل مظاهر الإسلام.
ولأننا نكثر من الردود على بني علمان، ربما ظن بعض من لا يعرف حقيقتهم أننا مبالغون فيما ننشره ونفضحه من تلاعبات القوم وتحريفهم لشرائع الإسلام، فهم لا يكتبون عن الإسلام أو في الإسلام إلا ليلبسوا الحق بالباطل وهم يعلمون، قاصدين تشكيك المسلمين في دينهم، حتى يصير ما كان لديهم عقيدة أمرا نسبيا، ويصبح ما كانوا يعتبرونه شرعا مجرد وجهة نظر لفقيه في زمن ما.
وربما تساءل بعض القراء الطيبين: لماذا تحاسبون النوايا وتتهمون المقاصد بقولكم: “..وهم يعلمون” وقولكم: “..قاصدين”وكأنكم تعلمون ما تخفي الصدور؟
فنقول:
حقيقة، لا يعلم ما في القلوب إلا خالقها سبحانه، إلا أن بني علمان لم يتركوا ما نتهمهم به مجرد نوايا بل صرحوا ورفعوا بذلك عقيرتهم في كل محفل، وبمناسبة وبدون مناسبة، ولا بأس أن نتحف قراءنا مرة أخرى بقصة لشاهد عيان ما زال بين ظهرانينا سبق أن نشرها بجريدة العلم عدد 20423بتارخ 18 ماي 2006، هذه القصة بطلاها شخصيتان ورمزان لمرحلة من أخطر المراحل التي عرفها المغرب، نظرا لكونها مثلت الوعاء الزمني الذي كانت تتصارع فيه القوى من أجل السلطة والنفوذ، وتتعارك فيه الخطط وتتناقض فيه البرامج.
الشخصيتان هما زعيم حزب الاستقلال “علال الفاسي” ومستورد الاشتراكية المهدي بن بركة.
تؤرخ لنا القصة بدايات الصراع بين العلمانية والإسلام في المغرب غداة الاستقلال، وتحكي واقعة عاشها الصحفي عبد الجبار السحيمي حين قام بتغطية لقاء هام مع شبيبة حزب الاستقلال تقرر فيه أن يلقي كل منهما (الفاسي وابن بركة) كلمة لتنشيط اللقاء، وفي طريقهما إلى رافقهما راوي القصة بوصفه صحفيا بجريدة “العلم”، وحكى لنا بعد مرور عقود من الزمن كيف قام المهدي بن بركة واعظا “يحرض الزعيم علال الفاسي على أن تتضمن كلمته توجيها دينيا إلى شبيبة الحزب حتى لا يسقطوا في حبائل تيارات الانحلال والزندقة وحتى يتمثلوا القيم الإسلامية، وليس أفضل من سي علال من يتصدى لهذا الموضوع الهام.
غير أن ما أثار استغرابي -يقول عبد الجبار السحيمي- أن المهدي بن بركة لما أخذ الكلمة بعد الزعيم علال الفاسي ذهب بعيدا عن الموضوع الذي أشار به على الزعيم إذ شحن الشبيبة بنقيض ذلك التوجه، ووجههم إلى رفض الغيبيات وإلى التحرر من المقولات التي لا يقبلها العقل وبشر بالعلوم الجديدة ونهضة الشعب ويقظة الشباب، بعيدا عن الطقوس وما اعتبره أساطير وخرافات”.
فلينظر القارئ الكريم وليتساءل لماذا طلب ابن بركة من علال الفاسي أن يتكلم في الدين وأن يعظ الشباب؟ بينما قام هو بتوجيههم إلى رفض الغيبيات وإلى التحرر من المقولات التي لا يقبلها العقل.
إن علال الفاسي كان يرمز إلى الدين بوصفه كان يدعو يوما ما إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، بينما كان ابن بركة يرمز إلى العلم والاقتصاد، فأراد أن يظهر الأول بمظهر المتشبت بالآخرة المجتر لما ألفه الناس من أئمة المساجد والخطباء، ليقف هو بعده موجها الشباب إلى العلم والعقل، واصفا الغيبيات والتدين بالأساطير.
وليقارن كل مَن لا زال يحسن الظن ببني علمان بين صنيع زعيمهم هذا وبين ما تنشره الجرائد والمجلات العلمانية وما تتضمنه كتبهم من محاولات لإظهار الإسلام لا علاقة له بالعلم ولا بالواقع حتى يزهدوا الناس فيه، ويضعفوا قناعاتهم في المطالبة بسيادته على المجتمع والحياة، ليتبين له أن الصراع بين الإسلام والعلمانية هو صراع بين الحق والباطل، وليس مجرد خلاف فكري.

السبيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *