علمانية الأدب إعداد: ذ.إبراهيم أبوالكرم

شاع ضمن ما شاع من المصطلحات في عصرنا مصطلح العلمانية، والذي فسره أهلها في عبارة مختصرة ذات محتوى عميق: فصل الدين عن الدولة، وهو عند التحقيق يلغي الدين عن كل مناحي الحياة، ليبقى الدين مبادئ وهمية منعدمة في الواقع. 

هكذا بدأ هذا المصطلح في أوروبا، نتيجة الصراع الذي احتدم بين الكنيسة والعلم إبان سيطرة الكنيسة بدينها “المسيحي” المحرف، ثم كانت الثورة على الكنيسة وتحررت رقاب بني الأصفر من أغلالها وآصارها، وانفجرت حريتهم لكسر كل ما هو مقدس، أو ذو صبغة دينية.
وانعكس ذلك على الأدب باعتباره أحد الفضاءات التي تُعلن فيها تعابير الإنسان ومكبوتاته، فطلع على أوروبا فن يدعى الأدب المكشوف، متخذا من الإنسان موضوعه، ومن الطبيعة مادته، وتتبع الجمال فيها، فانطلق الفنانون التشكيليون يرسمون رسومات النساء والرجال عراة، وانتفض الشعراء يكتبون عن كل ما هو مستور، ويهاجمون كل ما كان مقدسا في معتقدهم المحرف.
ثمَّ دَبَّ الوهنُ إلى المجتمع العربي، فيطول رقاده على وسائد تاريخه، وقد اتسع الرتق بينه وبين دينه وتراثه، ليفقح عينيه بعد مكث بعيد محاولا فتحها، وقد أيقظه شعاع النهضة الأوروبية، منبهرا بما وصل إليه الأوروبيون، فكانت التبعية والتقليد لجهة الغرب.
مصطلح العلمانية:
لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (Secularism) في الإنجليزية ، أو (Secularite) بالفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق.
فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (Science) والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة(Scientism) والنسبة إلى العلم هي (Scientific) أو (Scientifique) في الفرنسية.
ثم إن زيادة الألف والنون غير قياسية في اللغة العربية، أي في الاسم المنسوب، وإنما جاءت سماعاً ثم كثرت في كلام المتأخرين كقولهم: (روحاني، وجسماني، ونوراني).
والترجمة الصحيحة للكلمة في الإنجليزية هي (اللادينية) أو (الدنيوية) لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد.
وهذا هو التعريف الذي دارت عليه رحى المعاجم، كدائرة المعارف البريطانية، وقاموس العالم الجديد لوبستر، ومعجم أكسفورد شرحا لكلمة Secular وقد استخدم هذا المصطلح لأول مرة مع نهاية حرب الثلاثي عاما سنة 1648م عند توقيع صلح وستفاليا، وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة. وهو التاريخ الذي يعتمده كثير من المؤرخين بداية لمولد الظاهرة العلمانية في الغرب.
وتلقف المسلمون العرب هذا السم الزعاف، ليروا فيه ترياقا ضد الرجعية، التي رأوها في الدين، كما رأوا فيه لجهلهم حاجزا عن المتعة والجمال واللذة والفن. فكتبوا على خطوات الغرب في الجنس كرواية الخبز الحافي لشكري، وثاروا على الدين، وابتذلوا كل ما له صلة بالإسلام، واستعملوا في رموزه من أنبياء وعبادات، وعقائد، وملائكة حتى الله جل جلاله استعملوهم رموزا لكل شيء متجاوز قديم، كما كتب نجيب محفوظ روايته التي نال بها جائزة نوبل والتي ترجمت بموت الإله، أو لكل شيء عنيف مشتاق للدماء والقوة والقهر.
وقد سلكوا لتسويغ الفكر العلماني في الأدب أن الفن متعة الانفعال أو الخيال الذي تثلمه المشاعر، لا ينبغي أن تقيد بقيم تقمع طلاقة الأديب، وهذه المغالطة إنما نشأت لعدم الميز بين شيئين:
الأول: الأدب لذاته، والثاني: الأدب لغيره.
فالأول يجب أن تحدد ملامحه في درس النقد الأدبي الذي لا يستمد مقاييسه من غير قيمة الجمال، لأن الشعر من الأدب ضمن الفنون الجميلة، وكل جمال في لغتنا العربية لا يفسر بغير لذة النفس وبهجة القلب.
فنجعل النقد الأدبي لذاته مقصورا على علاقة الشعر بالتصوير والرسم والموسيقى، فنأخذ من مصطلحات هذه الفنون مسائل التناسب والتناسق والوحدة والكمال.. وأي مقاييس منطقية أو أخلاقية تعتبر دخيلة على النقد الأدبي لذاته.
وفي هذا المسار يلتقي المؤمن والملحد والرأسمالي والشيوعي والماجن الفاجر والمطيع الوقور، لأنهم يأخذون قواعد النقد الأدبي لذاته من علم الجمال المبرأ من كل غاية أو نزعة.
أما الأدب لغيره فيعني رسالة الأديب فيكون هذا المبحث قسيما للنقد الأدبي لذاته، ويتحول الحديث من فن الأديب إلى غاية الأدب، فلا يمس أي مقياس جمالي، وإنما يعالج الموقف بمقاييس من قيمتي المنطق والأخلاق، ويسعى كل صاحب عقيدة أو مبدأ أو مذهب أو غاية إلى تأميم أدب قومه لصالح قضيته، وهذا هو الالتزام في الأدب.
لكننا نكاد نعدم أديبا غير ملتزم، ويصير من قبيل المستحيل أن يتحرر الأديب من كل غاية، فهو وإن تحرر من غاية إلا وشدته أخرى، ولن يعيش في الكون دون غاية.
ومن هذا المنفذ تسلل بنو علمان رافعين شعار الجمال والمتعة والالتزام، وقلوبهم وأعمالهم تقصد إلى هدم الدين ومهاجمته، وبث الأفكار المناقضة له، تائهين وضالين عن البحث عن الجمال وسط ظلام الحرب على الإسلام.
والظاهرة العلمانية في أغلب كتب النقد الحديث لا تنعي على الشيوعي التزامه، ولا تنعي على شاعر النهود التزامه، فكل التزام مباح وحرية، ولكن الويل كل الويل للأديب المسلم إذا كان أديبا ملتزما.
إن هذا الصراع في كتب النقد الحديثة ليس صراعا حول مقاييس النقد الأدبي لذاته، أي ليس دفاعا عن الفن للفن، لكنه صراع حول الغاية، إنه نقد مباشر لعقيدتنا وسلوكنا وغايتنا.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *