“إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة” من آثار أسماء الله الحكيم الحكم الحاكم الحلقة الرابعة والثلاثون ناصر عبد الغفور

4- عدم التحاكم إلا إلى الحكم سبحانه:

فمن مقتضيات الإيمان باسم الله الحكم أن يحكم الإنسان شرعه سبحانه في نفسه وأهله وما ولي.
قال تعالى: “وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ{49} أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ” المائدة:49-50.
يقول العلامة السعدي رحمه الله تعالى: “..فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية، فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والبغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى. “وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ” فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز بإيقانه ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين عقلا وشرعا اتباعه..” .
وقد جعل الله تعالى التحاكم إلى شرعه المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات المؤمنين، فقال تعالى: “إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” النور:51، بل جعل هذا التحاكم من لوازم الإيمان فقال تعالى: “فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً” النساء:65. ففي هذه الآية “يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا.. فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة” .
فمن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حكم الحكم سبحانه لأنه صلى عليه وسلم هو المبلغ عن الله وهو المبين شرعه، فالتحاكم إلى المرسَل تحاكم في الحقيقة إلى المرسِل.
وفي هذه الآية ذكر مراتب الدين الثلاث كما أشار إلى ذلك الشيخ السعدي رحمه الله بقوله: “فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان، فمن استكمل هذه المراتب وكملها فقد استكمل مراتب الدين كلها…” .

مسألة: حكم التحاكم إلى غير الله تعالى:
قال تعالى ذكره: “وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” المائدة:44، وقال عز من قائل: “وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” المائدة:45، وقال سبحانه: “وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” المائدة:47.
وقد اختلف العلماء في الأوصاف الواردة في هذه الآيات على قولين:
– فمنهم من قال: أنها كلها أوصاف لموصوف واحد هو الكافر، فالكافر ظالم لقوله تعالى: “وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ”، وفاسق لقوله تعالى: “وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ..” أي الذين كفروا.
– ومنهم من قال أنها لموصوفين متعددين، وإنها بحسب الحكم:
* فيكون كافرا في ثلاثة أحوال:
أ- إذا اعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله بدليل قوله تعالى: “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ”، فكل ما خالف حكم الله فهو من حكم الجاهلية بدليل الإجماع القطعي على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله، فالمُحل والمبيح للحكم بغير ما أنزل الله مخالف لإجماع المسلمين القطعي، وهذا كافر مرتد ، وذلك كمن اعتقد حل الزنا أو الخمر أو تحريم الخبز أو اللبن.
ب- إذا اعتقد أن حكم غير الله مثل حكم الله.
ج- إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله.
بدليل قوله تعالى: “وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ”، فتضمنت الآية أن حكم الله أحسن الأحكام، بدليل قوله تعالى مقررا ذلك: “أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ”، فإذا كان الله أحسن الحاكمين أحكاما وهو أحكم الحاكمين، فمن ادعى أن حكم غير الله مثل حكم الله أو أحسن فهو كافر لأنه مكذب للقرآن.
* ويكون ظالما: إذا اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن الأحكام، وأنه أنفع للعباد والبلاد، وأنه الواجب تطبيقه، ولكنه حمله البغض والحقد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله، فهو ظالم.
* ويكون فاسقا: إذا كان حكمه بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه، مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، لكن حكم بغيره لهوى في نفسه، أي محبة لما حكم به لا كراهة لحكم الله ولا ليضر أحدا به، مثل: أن يحكم لشخص لرشوة رشي إياها، أو لكونه قريبا أو صديقا، أو يطلب من ورائه حاجة وما أشبه ذلك، مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل والواجب اتباعه، فهذا فاسق وإن كان أيضا ظالما، لكن وصف الفسق في حقه أولى من وصف الظلم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *