من فقه البيوع أحكام المال الحرام [حكم المال الحرام المكتسب قبل الإسلام] (الحلقة السابعة)

تنبيه: وقع في الحلقة الماضية بعض الأخطاء الطباعية، فاقتضى ذلك أن ننبه عليها.
من ذلك: عنوان الحلقة حكم المال المكتسب قبل الإسلام، والصواب: حكم المال الحرام المكتسب قبل الإسلام.
ومن ذلك ما وقع في السطر السادس: إن المكال الحرام، والصواب: إن المال الحرام.
وما وقع في كلام الفخر الرازي: وما لا يجوز من شيء في حال الكفر..، والصواب: وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر..
سبق لنا أن المال الحرام المكتسب قبل الإسلام لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون المسلم قد قبض جميع ما عقد عليه من مال حرام حال كفره، وقد مضى الكلام عن ذلك في الحلقة الماضية، وخلاصته: أن الأموال التي حازها الكفار بمعاملات محرمة، وعقود غير مشروعة، وكانوا قد أسلموا عليها بعد القبض وإنفاذ العقد حلال لهم، ولا نحكم ببطلانها أو ردّها.
الحال الثانية: -وهي موضوع هذه الحلقة- أن يكون المسلم قد دخل في الإسلام ولم يقبض ما ثبت له من مال حال كفره.
اختلف أهل العلم في حكم هذه المسألة على قولين حكاهما ابن رشد قولين في مذهب مالك.
قال رحمه الله: “وقد اختلف أصحابنا إذا لم يقبض ثمن الخمر والخنازير، وكان قد باع ذلك من نصراني حتى أسلم، هل يصح له قبضه بعد إسلامه أم لا على قولين.
أحدهما: لا يصح له قبضه قياسا على ما كان له من الربا لم يقبضه.
الثاني: أنه يجوز له قبضه بعد إسلامه، وهو قول أشهب، وهو مذهب أكثر أصحابنا[1]” انتهى كلامه رحمه الله.
* وقد علل أصحاب القول الثاني قولهم بأن هذا القبض هو أثر لعقد وقع صحيحا -أي بحسب ما يعتقده العاقد- فيكون القبض بعد الدخول في الإسلام امتدادا لهذا الأثر.
* كما استدلوا بقوله تعالى: (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ) (البقرة:275)، قالوا: فما كان من مال ثابت قبل الدخول في الإسلام وتأخر قبضه إلى ما بعد الإسلام فإنه داخل في قوله تعالى: (فَلَهُ مَا سَلَفَ)، لأن هذا القبض امتداد للعقد الأول وليس ابتداء عقد جديد[2].
* وأما أصحاب القول الأول -وهو الأصح لما سيأتي، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والقول الثاني مذهب المالكية، كما سبق في كلام ابن رشد- فقد استدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة منها:
1- قول الله تعالى: (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ)، وجه الدلالة من الآية: أن الله تجاوز مما كان قد قبض من الربا قبل نزول التحريم، ومفهوم الآية أن المسلم ليس له قبض ما تأخر بعد نزول التحريم.
فيقاس على الآية الكريمة كل مال حرام تأخر قبضه إلى ما بعد الإسلام، فلا يجوز قبضه.
وبهذا يعلم الجواب عما ذهب إليه أشهب ومن وافقه من الاستدلال بالآية الكريمة.
2- قول الله تعالى: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ) (البقرة:279).
قال القرطبي رحمه الله تعالى: “فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد كما إذا اشترى مسلم صيدًا ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريمه قبل القبض ولو كان مقبوضا لم يؤثر”[3].
وقد استدل الجمهور بأدلة أخرى لا يتسع المقام لذكرها جميعا.
* فإن قيل فما مصير العوض المحرم إذا تأخر قبضه إلى ما بعد الإسلام؟
قيل: هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام ذكرها ابن القيم رحمه الله، وهي: “إن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر أو خنزير أو على زنى أو فاحشة، فهذا لا يجب ردّ العوض على الدافع، لأنه أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العِوض والمعوّض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان.. وتمام التوبة بالصدقة به، فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي”[4].
وبالله التوفيق.

————

[1]– المقدمات الممهدات (ص:616).
[2]– انظر أحكام المال الحرام لعباس الباز (ص:128).
[3]– الجامع لأحكام القرآن (ص:365-366).
[4]– زاد المعاد (5/691).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *