انتهاك (جمعيات حقوقية) للآداب والأخلاق العامة أحمد السالمي

خصص برنامج “بدون حرج” الذي تذيعه قناة “ميدي1” تيفي حلقة لموضوع: “قبل الفيسبوك”؛ وكان من المقرر لهذه الحلقة التي حملت عنوان: “قبلة الفيسبوك بالناظور والمجتمع المغربي” أن تتطرق لهذه الواقعة وتفكك الظاهرة تفكيكا سليما، وتقدم للمشاهد المغربي أسباب الواقعة وبواعثها وحلولا ناجعة، لكن ضيوف الحلقة كان لهم رأي آخر.
فـ”عبد المطلب اعميار” -مثلا- رئيسا حركة اليقظة المواطنة قال بعد ربورتاج عرض في البرنامج: “الآراء التي استقيتم من الشارع آراء تترجم تعدد وجهات النظر في المجتمع المغربي، أعتقد هذه ظاهرة صحية على اعتبار هذه الواقعة هي طبعا واقعة ذات أبعاد أخلاقية، وعندها علاقة بملف الآداب العامة، وطبيعي أن نوع هذه الوقائع والملفات يثير نقاشا عموميا، لِّي ماشي طبيعي: لماذا أثار هذا الملف هذه الضجة وهذه الزوبعة الإعلامية؟”اهـ.
وسيلاحظ القارئ الكريم مدى تناقض “اعميار” وسيقف محتارا من كلامه، فهو يصرح في مطلع تدخله أن نوع هذه الملفات يثير نقاشا عموميا، ثم ينسخ كلامه بعد حين بتساؤله عن سبب إثارة هذا الملف لضجة وزوبعة إعلامية!!
مع العلم أن سبب إثارة القبلات لما أسماه زوبعة واضح وبين، وهو أن إعلان القبل أمام الناس ونشرها يخدش الحياء العام، وأن الذي لا يعد طبيعيا هو إشاعة الفاحشة والإعلان بها من طرف بعض النزقين المستغربين، الذين يريدون استيراد كل الظواهر السلبية من الضفة الأخرى وزرعها في المجتمع، زاعمين أن هذه الظواهر هي ضريبة للتقدم، لكننا دفعنا الضريبة، ولم نرَ قط التقدم الذي يتحدثون عليه.
وفي الحلقة نفسها ما برح “فيصل المرسي” رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والحريات العامة ينهي مداخلته حتى انهالوا عليه بوابل من الانتقادات، فقال اعميار:
“أنا أولا ما نخفيش عليك هل الأخ يتكلم بلغة حقوقي أو لغة النيابة العامة، أستغرب أن منظمة حقوقية -أو تدعي ذلك- تتكلم بلغة الإدانة القبلية.. لي كنعرف أن المنظمات الحقوقية تدافع عن الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين، وصعب كمنظمة حقوقية تنصب نفسها طرف في مثل هذه القضايا”.
وهو كلام ينم عن منظوره للجمعيات الحقوقية، وأنها يجب أن تدافع عن حريات الأفراد وإن كانت متطرفة تخالف الدين والقانون والعرف، وهي نظرة خاطئة وإقصائية في الآن نفسه؛ تبعد الجمعيات المحافظة والمدافعة عن الأخلاق الحميدة عن المجال الحقوقي وتقصيهم، وتبيح لنفسها مخالفة الدين والقانون والعرف بذريعة الدفاع عن الحقوق!!
هذه النظرة العلمانية لمفهوم حقوق الإنسان، والنظرة الاقصائية التي عبرت عنها أسماء بنعدادة بكل وضوح قائلة: “..لأن هذا النوع من الجمعيات ومن هؤلاء الناس اللذين يفكرون بهذه الطريقة للأسف عندنا متواجدون، فكل المدن وفي كثير من المواقع. حتى أنا بغيت نتوقف عند هذه المقاربة التي لجأت لها هذه الجمعية التي هي مقاربة أمنية بالأساس وليست مقاربة مدنية وتربوية، فأين هي المقاربة التربوية؟ أين هي الأسرة؟ أين هي المدرسة؟ وهما مؤسستان تشكل العمود الفقري للمجتمع ثم الجمعية ما هو دورها بالأساس، إما تربوي أو تحسيسي وتوعوي.
إذا هذه الجمعية التي قفزت على كل هذه المراحل التي تدخل في وظائفها أنا أضع عليها علامة استفهام، هل هي جمعية حقوقية أم بوليس الأخلاق”.
فعلامة الاستفهام يجب أن توضع أساسا أمام موقف الجمعيات الحقوقية العلمانية التي تقف في صف من يخدش مشاعر الأغلبية إرضاء لنزوات ورعونات الأقلية، وأمام دفاعها المستميت على مواضيع جانبية مقابل إغفال أخرى أكثر شمولية وأهمية؟ وأمام سلوكها الإقصائي المتعمد لجمعيات ذات مرجعية مخالفة؟
فماذا صنعت هذه الجمعية التي جعلوها مرمى لسهامهم غير أنها اتبعت المسطرة القانونية وحركت النيابة العامة لتنظر في الواقعة، وهو سلوك مخالف لما اعتادته الجمعيات ذات المرجعية العلمانية، فقامت بتحالف مع الصحافة ذات التوجه نفسه وبعض الأحزاب للقيام بحملة استباقية بهدف التأثير على الحكم القضائي.
والأمر الذي يكشف لنا موقف العلمانيين من هذه الواقعة رأي بنعدادة في تبادل القبل مثار النقاش: “..سلوك يعتبر عادي في نظر الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين والمعنيين بالأمر، ثم قالت: “لماذا في مجتمعنا لا تخيفنا مظاهر العنف والكراهية السائدة والمنتشرة.. لكننا نتخوف من أبسط مظهر يوحي إلى المحبة، بالنسبة لي جوج ديال الأطفال تبادلوا قبلة ما فيها لا عنف لا كراهية، فيها كما أعلنت تلك الطفلة ببراءتها عند الشرطة القضائية: أنا أحب هذا الشاب ويحبني وأحببنا أن نوثق هذه اللحظة”.
كلام ينطلق من فهم خاطئ أولا للواقع المغربي الذي وصفته بالعنف والكراهية، فهل هذا الوصف ينطبق على مجتمعنا؟ أم أن صاحبته لا تخالط المغاربة ولا تجالسهم ولا تعرف سلوكهم؟
ثانيا: اعتبرت المتدخلة أن هذه المعصية أمرا عاديا لأنها تنطلق من المحبة وتعبر عنها، فهل كل معصية محرمة إذا كان منطلقها من المحبة تصبح جائزة مستساغة لا يعاقب عليها الدين ولا القانون؟
فإذن لماذا سنعاقب السارق إذا كان منطلق سرقته حب المال، والزاني واللواطي، والمغتصب، وشارب الخمر، و..، إذا كان الدافع هو المحبة، لماذا هذه السجون وهذه العقوبات الزجرية إذا كان دافع هؤلاء المجرمين هو المحبة؟
هذا الفهم ليس له مكان إلا في عبث ما بعد الحداثة، الذي يزعزع جميع المفاهيم التقليدية المتعلقة بالهوية، ويعتمد على التشكيك والتقويض والعدمية، والتناص واللانظام واللاانسجام، وإعادة النظر في الكثير من المسلمات المتعارف عليها قديما وحديثا، هذا هو وجه العلمانية القبيح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *