شرح منظومة العلامة القاضي محمد أبي بكر القيسي الغرناطي التي سماها “نيل المنى في نظم الموافقات” للإمام الشاطبي -رحمه الله- الشيخ مولود السريري

صورة شرحي لهذه المنظومة
لم أتخط في شرحي لهذه المنظومة حد البيان لمضامينها ومعانيها، وقد انتحيت في ذلك منتحى الإيجاز، وإن كانت بعض المواضع فيها جديرة بالإطناب لعظم فوائدها، وعظم الحاجة إليها.
ثم إني اعتمدت على الأصل (الموافقات) في هذا العمل، وفي هذا الشأن أحب أن أنبه إلى أمرين:
أحدهما: أني أتصرف أحيانا في كلام الشاطبي بالزيادة والنقص رغبة في البيان والإيضاح، والإيجاز، وبذلك فما أنقله منه قد لا يكون مطابقا للفظ الأصلي منه.
ثانيهما: أني في بعض المواضع أنقل عنه ولا أنسب له ما نقلته عنه فيها، اتكالا على أن القارئ قد يدرك ذلك باعتبار قرينة مقام الكلام.
هذا وإن سعيي في هذا الشرح إنما هو لبيان معاني هذه المنظومة، وتقريبها لطلبة العلم ذوي المنة في الحفظ والتحصيل، ورُب قائل يقول: إن هذا الشرح لو فرض أنه على أبدع صورة ممكنة لشارح مثلكم ما كان إلا نسخة مكررة من الأصل (الموافقات)، وبذلك فإنه لم يكن إلا اجترارا لما في هذا الأصل، فخلا بذلك من أي فائدة زائدة عن ذلك.
الذي أراه أن الأمر ليس كذلك، فإن في الأصل نفسه ما يحتاج إلى البيان، وقد سعينا إلى بيانه على قدر المستطاع، وربما أزلناه بالنقل لكلام بعض أهل العلم في ذلك.
ثم إن الغرض من النظم للمعارف هو حفظها المتوسل به إلى تحصيلها، والحفظ وحده لا يتم ذلك المراد منه ما لم يفهم متضمن المحفوظ، ويشرح معناه، فإذا فهم بعدما حفظ حصل المراد وتحقق الغرض.
والأصل ليس شرحا على الوجه المطلوب، فلا سبيل إلى الاكتفاء بالتوسل به إلى ذلك المراد؛ ثم إن الذي دل عليه واقع الحال أنه قد يحصل الاستغناء بالنظم وشرحه على الأصل المنظوم، كما هو مشاهد ومدرك لكل من يمارس دراسة العلوم وتدريسها، حتى إن المنظومات وشروحها في الغالب هي المتداولة في مدارس العلوم الشرعية الأصلية الحقيقية، وما ذاك إلا لما في ذلك من مزية الجمع بين التحصيل والفهم.
وهذا لا ينكره إلا من ينكر المحسوسات والضروريات؛ فإذا عرفت هذا أدركت أن هذا العمل ليس اجترارا ولا تكرارا، كما أنه ليس سهمه طائشا بل لغرض جليل القدر يعلم مما تقدم، وهذا سهمه مسدد يدركه كل من مارس تعلم العلوم وتعليمها بالطريقة الأصلية، على بداهة، وبالضرورة.
النسخة التي شرحتها
من الثابت المقرر أن النسخة المتداولة في هذه الأقطار نسخة واحدة، وهي التي جيء بها مصورة من مكتبة «الأسكوريال» ببلاد الاسبان، وهي في بعض منها عويصة القراءة، وبعض كلماتها متداخلة مطموسة الحروف، وهذا يصرف عن فهمها، وقراءتها على ما هي عليه في واقع الأمر، ولكن نبذل أنا وجماعة من إخواني الطلبة في ذلك الجهد المستطاع، وفي أغلب الأحيان نطمئن إلى أنا موفقون في فهمها، وفي أحيان أخرى يغلب على ظننا ذلك، ولسنا على ثقة منه، ولأهل العلم حق التصحيح لما يرون أنا مخطئون في فهمه من ذلك وغيره، ولهم من الله -سبحانه وتعالى- الثواب والجزاء الأوفى بفضله وكرمه.
وقد كتبت هذه النسخة على وجه خالفت فيه بعض ما هو معتاد في رسم الكلمات، ومن ذلك كتابة كلمة «لكن» بصورة «لاكن»، ولفظة «على» الجارة بصورة «علا»، وهكذا الأمر في سائر الكلمات ذات الألف المقصورة من هذا الصنف؛ وكلمة «حيثما» بصورة «حيث ما»، وغير ذلك مما يعلم بالوقوف عليها.
وقد تواترت الأخبار أن بعض أهل الفضل، في هذا البلد وغيره، قد اشتغل بتحقيق النسخة وغيرها، وقد كنت انتظرت برهة من الدهر ظهور هذا الأمر، لكن ذلك تخلف عن التحقق، فاكتفيت بهذه النسخة على ما فيها.
لله الأمر من قبل ومن بعد.
الخطبة
الحمد لله الذي من نعمته أن بث في المشروع سر حكمته
وهيأ العقـول للتصريـف بمقتضـى الخطــاب بالتـكـليــف
وأرسل الرسـل مبشرينـا بـمــــا أعـــده ومـنـذريـــنـــــــا
وخصنا بمسكة الختــــام والرحـمـة المـهــداة للأنــــــــام
ومن بنور الوحي والرسالة أنقذنـا مـن ظـلـمـة الجـهــالــــة
«الحمد لله» إخبار صيغة، إنشاء معنى، والله اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد «الذي» كان «من نعمته» على «أن بث» أي نشر وأودع «في المشروع» أي الشريعة «سر حكمته» البالغة سبحانه.
«وهيأ» أي أعد بعظيم قدرته «العقول» وفطرها «للتصريف» أي النظر على أوجه مختلفة، «بمقتضى» يعني في مقتضى، ومدلول «الخطاب» الشرعي المتعلق «بالتكليف» للعباد.
«و» الذي من من نعمته -كذلك- أن «أرسل» وبعث «الرسل» إلى الناس «مبشرينا» -الألف للإطلاق- من آمن «بما أعده» وهيأه لهم من الثواب والنعيم المقيم، «ومنذرينا» أي مخوفين مَن كَفر بالعذاب الأليم.
«و» كذلك من نعمته سبحانه أن «خصنا» بين خلقه «بمسكه» -بكسر الميم- واحدة المسك: الطيب المعروف، «الختام» للرسل «والرحمة المهداة» -بضم الميم- المعطاة على وجه الهدية «للأنام» أي الخلق.
«ومن بنور» وضوء وإنارة «الوحي» الرباني «والرسالة أنقذنا» وأخرجنا «من ظلمة الجهالة» -بفتح الجيم- الجهل: ضد العلم.
محمد صفـوة الأنبيـاء المجتبى بالملة السمحاء
أرسله للخلق أجمعيـن فبادروا إليـه مهـطعيــن
»محمد» بالجر بدل من الصفات التقدمة: مسكة الختام، والرحمة المهداة، ومن بنور الوحي أنقذنا؛ أو عطف بيان لها، ويصح رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو، «صفوة» -بفتح الصاد وكسرها وسكون الفاء- أي خالص وخيار «الأنبياء» عليهم الصلاة والسلام، «المجتبى » -بضم الميم وسكون الجيم وفتح التاء- المثناة فوق، أي المصطفى المختار المفضل «بالملة السمحاء» التي لا إصر فيها ولا حرج، ولا ضيق فيها ولا شدة، وقوله السمحاء هكذا بالمد، والمعروف في صيغة هذا الوصف السمحة، يقال الحنيفية السمحة، وهو الوارد في كتب اللغة المتداولة.
«أرسله» سبحانه «للخلق» الإنس والجن «أجمعين» فكلهم أمة دعوته «فبادروا» يعني فبادر منهم من وفقهم الله -تعالى- للخير، وهداهم إلى الصراط المستقيم أي أسرعوا «إليه» يعني إلى الإيمان به واتباعه «مهطعين» أي منطلقين في صمت أو مسرعين، فيكون حالا مؤكدا لقوله «بادروا».
يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *