فقه الصمت (5/5) عبد القادر دغوتي

أقسام الصمت (الصمت المذموم – تتمة)
– الصمت عن البيان في معرض الحاجة إليه:
بعث الله تعالى الأنبياء والرسل وكان القصد من بعثتهم هو «البيان»، أي بيان الحق لأقوامهم وإرشادهم إلى طريق الهدى؛ قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليُبين لهم} (إبراهيم:4)، وقال لنبيه محمد صلى الله عيه وسلم: {وأنزلنا إليك الذكر لتُبين للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون} (النحل:44).
وقد ورث العلماء عن الأنبياء هذه المهمة، فتوجب عليهم أن يقوموا بحقها، فيبينوا للناس ولا يمنعوا عنهم ما علمهم الله من علم ينتفعون به في دنياهم ويسعدون به في أخراهم، وألا يؤثروا الصمت عن البيان طمعا في عرض دنيوي من جاه وحظوة عند سلطان، أو حذرا من فوات مكسب أرضي أو خوفا من لومة لائم.
فإن العلماء مصابيح الهدى تضيء للناس طريقهم وتكشف لهم مخاطره، وتجلي لهم معالم السير والوصول بسلام؛ فإن سكت العلماء في الوقت الذي يحتاج الناس فيه إلى علمهم وبيانهم، انطفأت الأنوار، فتنكب الناس الطريق وتزاحموا وتصادموا وضلوا وتاهوا.
ويكون الساكت من العلماء في هذه الحال قد خان الأمانة ونقض العهد، ويكون شأنه كشأن من ذكر الله من أهل الكتاب الذين كتموا العلم واشتروا به ثمنا قليلا؛ قال جل وعلا: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون} (آل عمران:187)، قال ابن كثير رحمه الله: «هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن يُنوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وُعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفة صفتهم، وبئست البيعة بيعتهم؛ وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسالكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عيه وسلم أنه قال: «من سُئل عن علم فكتمه، أُلْجِم يوم القيامة بلجام من نار»(1).
فمن قصر في هذا الأمر من العلماء، فكتم عن الناس علما يحتاجونه، وسكت عن بيان حق في وقت يحتاجون إلى معرفته، يكون سكوته إذاك مذموما ويكون قد عرض نفسه لغضب الله، ولا ينجيه منه إلا التوبة والبدار إلى إصلاح ما أفسده بصمته وسكوته، والجهر بالحق وتبيانه؛ قال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} (البقرة:159-160).
خاتمة
قال ابن القيم رحمه الله: «وفي اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى، آفة الكلام، وآفة السكوت، وقد يكون كل منهما أعظم إثما من الأخرى في وقتها؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاص لله، مُراء مداهن لم يخَف على نفسه؛ والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين، وأهل الوسط -وهم أهل الصراط المستقيم- كفوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة؛ فضلا أن تضره في آخرته، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به»(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج.2، ص.108-109.
(2)- الجواب الكافي، ص.201، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت (1424هـ-2003م).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *