هل يتسبب قانون الإرث بحرب أهلية وفوضى في تونس؟ مصطفى الحسناوي

يخبرنا التاريخ أن استهداف هوية شعب، أو مجموعة من الناس، أغلبية كانت أو أقلية، عادة لا يمر بسلام.

يلجأ المجتمع لإفراز سلوكات وردود -أفعال عنيفة، تجاه أي محاولات لاستهداف هويته وقيمه وعاداته ومعتقداته، يسجل التاريخ أمثلة عديدة لذلك، لكننا سنكتفي بذكر أمثلة مما عشناه ونعيشه في عصرنا وواقعنا.

أدى استهداف الشيعة للمكون السني في العراق، ومحاولتهم السيطرة على مقدرات ومفاصل البلاد، وإزاحة السنة، إلى انفجار الوضع بشكل غير مسبوق، أكثر حتى مما حدث أثناء احتلال البلاد، فارتمى السنة في أحضان تنظيم دولة العراق الإسلامية، واحتضنتها العشائر، لتبيض للعالم وحشا اسمه داعش.

قبل ذلك أدى انقلاب الجيش وفراخ فرنسا على انتخابات الجزائر تسعينات القرن الماضي، إلى خروج “جيا” وشبيهاتها، فكانت عشرية سوداء قاتمة وحمراء قانية.

ارتماء الشباب المسلم من أصول أوروبية، في أحضان الإرهاب والعنف، أحد أكبر أسبابه، هو أزمة الهوية، والإحساس باستهدافها، فكان رد الفعل إفراز ظاهرة الجهاديين الأوروبيين، الذين لم يدرسوا في مدارس دينية، ولم ينتموا لجماعات إسلامية، ولم يعانوا من حرمان أو ديكتاتورية أو فساد أو استبداد، بل كانوا في دول الحريات والعدالة والديمقراطية، لكنهم مع ذلك ارتدوا أحزمتهم الناسفة وامتطوا سيارات الدهس، بعد أن سيطر عليهم الإحساس باستهداف هويتهم وانتمائهم.

تونس بورقيبة وبنعلي، بقيت لعقود وهي تجفف منابع التدين، واستهدف الديكتاتور العلماني بورقيبة، الناس في صلواتهم وصيامهم وعباداتهم، بشكل متطرف لم يسبق له مثيل، وظن الناس أن الدين لن تقوم له قائمة، فقد قضى عليه بورقيبة وخلفه ابن علي، لكن كل ذلك كان خاطئا، لقد كانت تونس مثل طنجرة ضغط تغلي، وعند أول فرصة انفجر ضغطها، غازات ساخنة تحرق الجميع، لم يكن أحد يتصور أن تونس بورقيبة تونس العلمانية المتطرفة التي تطارد معتقدات الناس وعباداتهم وطقوسهم وشعائرهم، تونس التي منعت مظاهر التدين وقمعتها، ستكون أكبر مزود لداعش بالموارد البشرية والكوادر والمفتين والمنظرين والانتحاريين، لقد أفرز المجتمع رد فعله المتطرف، المناسب لتطرف نخبة تحكمه بالحديد والنار، واستعمل التقية لإخفاء قنابله التي أنتجها معمل بورقيبة، وحين حانت الفرصة، تفجرت تلك القنابل في وجه الجميع.

ما يقوم به حكام تونس ونخبتها العلمانية الآن، هو تكرار لما قام به بورقيبة، استهداف ممنهج لهوية وقيم الأغلبية، لمعتقدات المجتمع وشرائعه، لاشك أن المجتمع سيقابلها برد فعل يناسب هذا التطرف العلماني الأناني، الذي لا يراعي قيم وهوية وتاريخ ودين شعب بكامله.

هذه المغامرة، ستنتج تطرفا تكفيريا، قد يكون من نتائجه سلسلة اغتيالات أو تفجيرات أو ما شابه، وستنتج مشاكل لا حصر لها داخل الأسر والعوائل، وستنتج تفككا واضطرابا، يهدد نسيج المجتمع بكامله.

كل دول العالم تهتم بقيمها وثقافتها وتفاخر بها، وتجعلها خطا أحمرا، في كل الأزمات التي حدثت في فرنسا وأمريكا وبريطانيا وغيرها، يطلع علينا رؤساء تلك البلدان، ليفاخروا بأن القيم الفرنسية أو الأمريكية أو البريطانية، لا يمكن المساس بها، وبأنها مدعاة للفخر، وبأنها مصدر وخزان لاستمرارهم، إلا في بلدان عالمينا العربي والإسلامي، تنبري نخب معزولة لا تمثيل لها ولا امتداد، تنبري لتخريب كل ماله علاقة بالهوية والقيم والمعتقد، تاركة كل المشاكل التي يتخبط فيها المواطن، من بطالة وجهل وتخلف واستبداد سياسي وتعليم وصحة وغلاء وسكن ومواصلات… منسحبة من خوض أي نقاش بشأنها، أو نضال من أجلها. لأن الحائط القصير هو تفكيك معتقدات الناس، والتدخل في شؤونهم الخاصة وعباداتهم ولباسهم، إنه الحائط القصير، وأيضا خزان الشهرة الكبير والتمويل الوفير.

لكن حذار استهداف هوية وقيم أي شعب هو لعب بالنار، قرب برميل بارود.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *