أين الفقهاء؟ أين السوسيولوجيون؟ أين المؤرخون والاقتصاديون؟ أين خبراء علم النفس والتربية؟ أين فقهاء القانون؟…
قلة من هؤلاء تحدثوا في موضوع “مراجعة مدونة الأسرة”، فيما برزت على الساحة وجوه تتكلم من صميم آرائها الخاصة، وكأن القضايا المصيرية في المجتمع محل نزاع بين الآراء الخاصة، وليس بين ذوي الاختصاص.
وجوه لم نعهد لها تخصصا إلا اجترار كلام لم يعد يخفى على أحد من المغاربة، ولم يعد يثير إلا أصحابه؛ تصدرت القول والرأي في موضوع ليس للأهواء.
أين أبحاثكم في قضايا الأسرة، كل من وجهة نظره في الموضوع؟
أين كانت الأسرة في اهتمامكم منذ زمن؟ أمْ أن الاهتمام وليد فترة، وابن لحظة؟
الخبرة ليست ملكة يخرجها المتكلم كلما طلب منه ذلك، الخبرة اكتساب، اهتمام يومي، تتبع لا يقف لموضوع الخبرة؛ ومن لم تكن قضايا الأسرة من خبرته فعليه أن يلتزم الصمت.
سارعت بعض الأحزاب إلى فتح نقاشات، في قضايا مدونة الأسرة؛ وكان بحثها جادا عن خلق نوع من السجال وفسح المجال للإيديولوجيات المختلفة، لا عن التفكير في مصلحة المغاربة، دولة ومجتمعا.
ومما يثير الانتباه طواف بعض الأسماء على عدد من الأحزاب السياسية، وكأن المغرب عقم أن يلد متخصصين أكفاء في قضايا الأسرة.
وهكذا انحرف النقاش في كثير من جوانبه عن المطلوب، الذي هو مصلحة المغاربة واستقرارهم وتماسكهم الاجتماعي؛ فأصبح الرأي العام طرائق وتيارات، لكل تيار مثاله ونموذجه الخاص يدافع عنه خارج “إشكالية المغاربة وحاجتهم التاريخية”.
وعوض أن نتكلم عن الأسرة ككل، من أب وأم وأبناء ومن تجب في حقهم الإعالة من ذوي القربى، أصبحنا نتحدث عن فرد واحد من أفراد الأسرة، هو المرأة.
المركزي في النقاش، أي الدين والأسرة بما هما أساس للدولة، هو ما يهمّش في مواقف عديدة، وكأننا مطالبون بالإجابة على سؤال واحد: “كيف تحَرَّر المرأة من قيد الأسرة؟”؛ والأصل أن يتحقق الانسجام بين مكونات الأسرة بما يحفظ الدين ويساهم في استقرار وتقدم الدولة.
ما المطلوب إذن؟ أن يتكلم الفقهاء في ما يحفظ الدين من الأسرة، وأن يتكلم الخبراء وعلماء الاجتماع في ما يحفظ الدنيا منه؛ فإذا امتنع أهل الاختصاص أصبح النقاش عرضة للأهواء، وطغت الإيديولوجيات على مصالح العباد.