تشير الأرقام إلى هجرة حوالي 250 ألف يهودي مغربي أغرتهم “الوكالة اليهودية” بالعيش في الأراضي المحتلة، لكن صدمتهم كانت كبيرة جدا.
فبعد أكبر مكون لليهود الشرقيين “السفارديم” إلى الكيان الصهيوني صدموا بواقع مخالف لما رسمته لهم الحركة الصهيونية، حيث تعرضوا منذ وصولهم إلى شتى مظاهر التمييز والتفريق على جميع الأصعدة، اقتصاديا واجتماعيا، وثقافيا، وكذا تهميشهم في التعليم والصحة ونتيجة لهذا التدهور الذي تعرضوا له تكتلوا في حركات سياسية وطالبوا بالمساوة، كتأكيد على فشل الكيان الصهيوني وعدم قدرته على دمج المكونات الإثنية والعرقية والطائفية ذات الطبائع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المختلفة والمتعددة بعدد الدول التي نزح منها هؤلاء.
وقد برزت أزمة الهوية والانتماء حضاري لهذا المجتمع الجديد، بعد هذا الانتقال الكبير لمعظم يهود المغرب إلى الكيان الصهيوني، فتحولوا للعيش في مجتمع آخر غير الذي ولدوا وعاشوا فيه لأجيال بل لقرون، مع تعرضهم لسياسة التمييز والإقصاء.
فالمجتمع الصهيوني عنصري بطبيعته، ليس ضد الأغيار المخالفين له في الدين والمعتقد فحسب، بل شملت عنصريته باقي مكوناته، فبعد وصول مئات الآلاف من اليهود الشرقيين (السفارديم) إلى فلسطين فوجئوا بواقع لم يكن في الحسبان، فقد تعرضوا داخل الكيان إلى التهميش والإقصاء، في المقابل كان اليهود الغربيين (الأشكيناز) وهم الأسياد في كل المجالات، وهو ما عبر عنه بن غوريون قائلا: “نحتاج إلى إغراء الذين ولدوا كعاملين (اليهود الشرقيين) مستوى معيشتهم ومتطلباتهم أقل بكثير من نظرائهم العاملين الأوروبيين”.
(فالأشكيناز) نظروا لليهود المغاربة والشرقيين عموما نظرة ازدراء، واحتقار، واعتبروهم طائفة قدمت من مجتمع متخلف، يتميزون بثقافة ضيقة ليست بمستوى ثقافة اليهود الأسياد “الأشكيناز”، كما اعتبروهم مجرد فلاحين وهمج، ولذلك تم وضعهم في الرتبة الثانية فأصبحوا يسمون “إسرائيل الثانية”، واعتبر (الأشكيناز) “إسرائيل” الأولى، وأنهم هم “إسرائيل” و”إسرائيل” هي (الأشكيناز).
وفي ظل هذه المؤامرة تحول اليهود (السفارديم) إلى آلة في أيدي اليهود الغربيين داخل الكيان الصهيوني ما نتج عنه في الأخير تهميش وإقصاء هذه الطائفة التي تم استخدامها كقوة يد عاملة رخيصة لبناء اقتصاد الكيان الصهيوني.
وإمعانا في التمييز تم إسكان (السفارديم) في مدن حدودية ونائية بعيدة عن المدن الكبيرة المتطورة، أما اليهود (الأشكيناز) فقد تم توطينهم في المدن الساحلية والمتطورة، كما هيأ لهم الكيان الظروف المعيشية الجيدة، وقد اشتغلوا بالصناعة والتجارة والأعمال الجيدة وتميزوا بصعودهم الاجتماعي، وأصبحوا ضمن الطبقة الأولى، ذلك أن الأشكنازيين اعتبروا أنفسهم المؤسسين الفعليين للكيان الصهيوني، ولهم كل الحق في تقلد المناصب العليا والعيش الراقي أما اليهود (السفارديم) فهم التحقوا بهم ليس إلا.
ويصف أحد اليهود المغاربة الأوضاع المتردية التي عانى منها المهاجرون من يهود المغرب قائلا: “وصلنا إلى مكان هو لا مكان هو لا شيء، معسكر من الخيم كان يدعى “معبرة مانسي” ولم تكن هناك صنابير للمياه، وأدرك الناس فورا أنهم ضللوا وأنهم كانوا ضحية عملية خداع، إذ أن أحدا لم يقل لنا أننا سنقيم في خيم، في شبه لا مكان كهذا، وكان هناك إحساس فظيع بالانكسار، النساء يبكين، وشرعن في العويل وكأنهن في مأتم، وقامت بعضهن بمهاجمة أزواجهن، وضربنهم وصرخن في وجوههم: إلى أين أتيتم بنا إلى أين؟ كان المشهد يمزق القلوب وببساطة أقول كان مأساويا”.
وقال آخر: “لم نتذوق طعم اللحم لأسابيع كثيرة وأحيانا كان أبي يأخذ الدارجة التي أحضرها من المغرب معه، عند انتهاء عمله، فيذهب إلى مستوطنة قريبة يسكنها يهود اليمن، ويحضر لنا القليل من الخضروات أو دجاجة بيوض”.
هذه لمحة عن واقع اليهود المغاربة والشرقيين في الكيان الصهيوني، وهو واقع دفعهم للقيام بردود فعل وتشكيل أحزاب لرفع التمييز ورد الاعتبار، والمساواة مع (الأشكيناز) الذين همشوهم لأنهم اعتبروهم “همج” جاءوا من الدول العربية والإسلامية.