كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة

 

ومِنْ هَدْي وخُلُق نبينا صلى الله عليه وسلم في معاملته مع الناس: معاملتهم على حسب ظواهرهم، دون البحث في نياتهم ومقاصدهم، وترك سرائرهم إلى الله تعالى..

قال الشاطبي: “إن أصل الحُكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصاً، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحْي يُجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم”..

والسيرة النبوية مليئة بالمواقف الدالة على معاملة النبي صلى الله عليه وسلم الناس على حسب ظواهرهم، وترك سرائرهم لله عز وجل.. ومِنْ هذه المواقف:

عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: (بَعَثَنَا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى الحُرَقَة، فَصَبَّحْنَا القَوْم (هجمنا عليهم صباحًا قبل أن يشعروا بنا) فَهَزَمْنَاهُمْ، ولَحِقْتُ أنا ورَجُلٌ مِنَ الأنْصار رَجُلًا منهم، فَلَمَّا غَشِينَاه، قال: لا إله إلَّا اللَّه فَكَفَّ الأنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ برُمْحِي حتَّى قَتَلْتُه، فَلَمَّا قَدِمْنا بَلَغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أسَامة، أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قال لا إلَه إلَّا اللَّه؟! قُلتُ: كانَ مُتَعَوِّذًا (أي: لم يكُنْ قاصِدًا بذلك الإيمان، بل كان غَرَضُه التَّحصُّن وحماية نفسه مِن القتْل)، فَما زال النبي صلى الله عليه وسلم يُكَرِّرُهَا، حتَّى تَمَنَّيْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ قَبْل ذلك اليوم) رواه البخاري.

تَمَنِّي أسامة رضي الله عنه أنَّه لم يَكُنْ أسْلَم قبْل ذلك اليوم، ليس مقصوده أنه تمنَّى لو كان كافراً، لا، وإنما مقصوده أنه تمنى لو أنَّ ذلك وقع منه قبل دخوله في الإسلام، لأن الإسلام يجُبّ (يمحو) ما قبله، بحيث لا تكون هذه المعصية والذنب العظيم قد وقع منه بعد إسلامه، فقتل النفس في الإسلام أمر عظيم، والله عز وجل يقول: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} (النساء:93)، فهذا ليس بالشيء السهل، ولكن أسامة بن زيد رضي الله عنه كان مُتأوِلاً، يعني: أنه فعل ذلك لا قصداً لقتل أحد من المسلمين، وإنما فعله لأنه اعتقد أن هذا الرجل إنما قالها خوفاً مِنَ السيف، وليس صادقاً في دعوى الإيمان..

وفي عدَم استغفارِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضي الله عنه رغم طلبه ذلك منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلحاحه عليه، نوع مِنَ التأنيب والزجر له، والتخويف والتحذير لغَيرِه مِن المسلمين، مع أنه مِنَ المعلوم ـ مِن السيرة النبوية ـ أن أسامة رضي الله عنه كان مشهوراً ومعروفاً بأنه حِبُّ النبي صلى الله عليه وسلم وابن حِبِّه، حتى أنه كان يُدْعى أسامة بن زيد بن محمد قبل أن يُنسخ التبني، ومع حُبَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الشديد لأسامة ولأبيه مِنْ قبله رضي الله عنهما، لم يشفع له ذلك عندما أخطأ هذا الخطأ، فكان اللوم والمحاسبة الشديدة، حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا هذا اليوم، حتى يهدم ويمحو إسلامُه ما كان قبله، وبقي هذا الأثر في نفسه بقية عمره، حتى عُرِف بذلك واشتهر به..

هذا الحديث والموقف النبوي مع أسامة بن زيد رضي الله عنه فيه: دلالة واضحة على وجوب الحكم بالظاهر، والتحذير الشديد مِنْ تجاوز الظاهر إلى السرائر، والحُكم على ما في القلوب دون بينة ودليل، وفيه: عِظَمُ حقِّ كلمةِ التَّوْحِيدِ وأهلِها، وفيه: أنَّ المسلم يجِب أن يحذَر كل الحذر أنْ يقع في كفر أو في سفك دَم إنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *