ينتصب عدد من رموز التيار “الحداثوي” للدفاع عن مهرجان موازين، وبين ليلة وضحاها يصبح هذا المهرجان قضية لبعضهم وكأنه القضية الأولى لهم، رغم تعدد القضايا الاجتماعية والوطنية التي تطلب الدعم والإسناد المدني والثقافي.
ويقدّم المدافعون عن مهرجان موازين من “الحداثويين” على موقفهم عدة مبررات نذكر منها:
–الحـرية: فالفرد في نظرهم حرّ في فعل ما يشاء، وله الحق في انتظار المغنين والموسيقيين أمام المنصات كما له حق انتظار خطيب الجمعة وإمام الصلوات في المساجد. وفضلا عن أن القول بـ”حرية مطلقة” مَعِيب نظريا، فإن إخضاعه لسياسة ما ينفي هذا الإطلاق. وبهذا يصبح “الحداثوي” نقيضا لذاته، يدعو إلى “حرية مطلقة” ويدافع عن أخرى مقيدة.
–التقـدم: معيار التقدم بالنسبة “للحداثوي” هو الخروج من معايير الضبط التقليدية، والتي تستمد حداثتها من الحاجة إليها. لا يعتبر “الحداثوي” هذه الحاجة فيدعو إلى التحرر من القيود التقليدية، متعلقا بنموذج تغريبي أجنبي وافد. وانتشار المهرجانات في المراكز الغربية (المتقدمة بالنسبة إليه)، دليل على تقدمها وراهنيتها واعتبارها من عادات العصر التي لا يجوز أن تثير أي نقاش أو جلبة. والحقيقة أن التقدم عملية اجتماعية اقتصادية بالأساس، أما التفاوت بيننا وبين “المراكز المتقدمة رأسماليا” فيفرض اختلاف النموذج السياسي والاقتصاد بين الضفتين الجنوبية والشمالية.
–الاقتداء بالغرب: يريد “الحداثوي” أن ينسج على منوال الغرب في الكماليات والإيديولوجيات الأخيرة فحسب، لا في سعيه الأول إبان الانتقال من واقع اجتماعي إلى آخر، ولا في صنائعه وعلومه وخبرتيه الاجتماعية والاقتصادية. يأخذ “الحداثوي” من الغرب عفونته الأخيرة، “عربدة حضارته وثمالتها”، قيم الشذوذ والانحراف والاضطراب والفوضى وسيولة الأذواق والأخلاق.. الدفاع عن المهرجانات، خاصة تلك الصاخبة، يدخل في هذا الإطار، أي في إطار “الاستلاب في الغرب الأخير، أي الغرب المتعفن”.
–التعددية: هذه التعددية التي يدافع عنها “الحداثوي” إذا تعلق الأمر بميوله فقط، كميوله للمهرجانات؛ أما إذا تعلق بتعددية تخدم كافة التوجهات والتيارات والفئات الاجتماعية، السياسية والإيديولوجية، فإنه ينسى التنوع والاختلاف ويمارس “العنصرية الثقافية” في حق من يخالفه الموقف من الوجود السياسي والاجتماعي. ليس للأمر علاقة بالتعددية إذن، وإذا كان كذلك فهو في حاجة إلى تقييد.. لا قدرة لأي دولة على نفي تعددياتها، ولكنها تحاول دمج هذه التعدديات في وحدة واحدة حتى لا تصبح مصدر تهديد وخطر. وبالتالي فكل تعددية تهدد الهوية أو الخصوصية فهي تعددية مرفوضة كيفما كانت دوافعها الثقافية أو الإيديولوجية.
والذي يغيب عن الفكر “الحداثوي” أن أي عمل بشري، فردي أو جماعي، يجب أن يأخذ بالاعتبار:
–حاجة الإنسان إلى الدين: وبالتالي فكل ما يحول بين المرء وتدينه، أو كل ما يضعف علاقته بدينه، في زمن تشتد الحاجة فيه إلى التدين والصمود والتمسك بالثوابت؛ من شأنه أن يضر بتلك الحاجة. والأهم في هذه الحاجة، إذا تحدثنا عن ثمراتها السياسية والاجتماعية، أنها حاجة قابلة للاستثمار في شروط تاريخية بعينها لإنتاج الفعل السياسي والاجتماعي المطلوب لمصلحة الدولة والمجتمع. حفظ الدين إذن، ليس مطلبا فرديا، بل هو مطلب مجتمعي وسياسي أيضا.
–حاجة الإنسان إلى ضبط الشهوة: خاصة في زمن التعفن القيمي والفوضى الأخلاقية في “العالم المتمدن المعمور”. ولذلك فتنظيم الشهوة، وإن كان مسألة فردية أخلاقية، فهو تنظيم سياسي أساسا. إطلاق الشهوات بلا حدود من شأنه أن يربك حسابات سياسية عديدة. لأن الشهوة “تنتشر كما تنتشر النار في الهشيم”، ولا تقف عند هذا الحد أو ذاك إذا ما تم إطلاقها. فيصعب إطلاقها في الأهواء الكمالية، وكبحها في المعاش وغيره من الضروريات. إن الصبر صناعة سياسية، وهذا ما لا يكترث له “الحداثوي”، فربما ليس حفظ المصلحة العامة من إشكالياته السياسية والثقافية.
–حاجة الإنسان إلى تقدير الأولويات: في الفقه مادة تعنون بـ”فقه مراتب الأعمال”، وقد اهتم بها الفقهاء المسلمون في إطار ما يصطلحون عليه “فقه الأولويات” التي يجب أن تقدر بقدرها، كما تقدر الضرورات بقدرها. فقبل الحديث عن المقبول وغير المقبول، عن المطلوب وغير المطلوب، وجب تحديد ترتيب الأولويات الذي به يتحدد “واجب الوقت”. وهنا نطرح سؤالا لا بد من طرحه: إلى أي ثقافة يحتاج المغاربة، أ إلى ثقافة المهرجانات والسهرات، أم إلى ثقافة القراءة والكتابة والمعرفة والارتباط بعناصر الربط الثقافي المغربي؟ وهنا يأتي سؤال يجب على “الحداثويين” الإجابة عنه: أي ثقافة يكرس مهرجان موازين وغيره من المهرجانات؟
–حاجة الإنسان إلى ترشيد الأموال: تدور عملية الاقتصاد المالي على عمليتين: الإنتاج والتوزيع. وتختل العملية الاقتصادية باختلال أحديهما أو هما معا، باستحضار ترابطهما وتأثر وتحدّد كل منهما بالآخر. وإن الأموال الخاصة، أي أموال الشركات والجمعيات والمؤسسات الخاصة، ليست بغير معنى. إن إنفاقها جزء من التوزيع، وإن كان توزيعا خاصا. فإذا ما أنفِقت في المفضولات والكماليات يصبح السؤال ملحا: هل من سبيل لإنفاقها على الضروريات بدل ذلك؟ “الحداثوي” يؤمن بالحداثة كما يقول، يدعو إليها ويصبو إليها؛ فأين حداثته الاقتصادية؟!