الذبح لغير الله!!! فكيف وصل حال بالمسلمين إلى هذه المهاوي السحيقة

 

يعجب المرء مما آل إليه حال كثير من المسلمين ممن جعلوا المشاهد والقبور والأضرحة قبلة قلوبهم ومهوى أفئدتهم، يتقربون لها بسائر القربات، ويبذلون لنيل رضاها الغالي والنفيس، ويقطعون الفيافي والقفار طلباً لوصلها وعشقا لقربها . حتى إنك تجد الرجل الفقير الذي ربما لم يأكل اللحم في سنته إلا قليلاً، يذبح لهذه الأضرحة وينذر لها رغبة ورهبة، ما يدل على عظم تعلقه بها، وقوة اعتقاده فيها. فكيف وصل حال المسلمين إلى مثل هذه المهاوي السحيقة، وكيف وجدت تلك الانحرافات العقدية الخطيرة موطناً في قلوبهم وسلوكياتهم، فغدت دينا يتعبدون به، ويدافعون عنه، ويوالون ويعادون في سبيله!!

فمثلا الذبح من أعظم العبادات التي شرعها الله عز وجل، واعتنى بجانب الإخلاص فيها، وأولاه أهمية كبيرة، وقد وقف الإسلام موقفاً حاسماً في هذه القضية منذ أول يوم، فأعلن النكير على ممارسات الجاهليين الذين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها من دون الله، وأمر الله نبيه بمخالفتهم وتحقيق الإخلاص له وحده في الذبح كما في الصلاة على حد سواء، فقال تعالى:{قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين }(الأنعام:162)، وقال تعالى:{فصل لربك وانحر}(الكوثر:2)، ولعظم ذنب الذبح لغير الله، لعن النبي صلى الله عليه وسلم من ذبح لغير الله .

ومما يؤكد على أهمية جانب الإخلاص في هذه العبادة العظيمة أن الله شرع الذبح لوجهه في عدد من العبادات والقربات كما في الأضحية، والعقيقة عن الولد، والهدي في الحج. وجاء الإسلام بعدد من التوجيهات في هذا الشأن حماية لمقام التوحيد، وسداً لذرائع الشرك، فحرّم ما ذبح على غير اسم الله تعالى.

ونهى عن الذبح في المواضع التي كان أهل الجاهلية يذبحون فيها لأوثانهم، حتى لو ذكر اسم الله عليها، فقد ورد أن رجلاً نذر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذبح إبلاً بموضع يقال “بوانة”، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال له عليه الصلاة والسلام: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ فقال الصحابة: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك) رواه أبو داود .

وكان أهل الجاهلية إذا مات لهم ميت ذبحوا على قبره الذبائح إكراماً له، فأبطل الإسلام هذه العادة الجاهلية، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا عقر في الإسلام) رواه أحمد وأبو داود

كل ذلك يجعلنا نجزم بأن الذبح عبادة يشترط فيها ما يشترط في سائر العبادات من وجوب الإخلاص لله فيها، وأن تؤدى كما شرع سبحانه، وبناء على ذلك فإن صرف هذه العبادة لغير الله من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.

قال الإمام النووي في شرح حديث: (لعن الله من ذبح لغير الله): “أما الذبح لغير الله؛ فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى، كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا أو يهوديا.. فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *