وإنه والله لَلَبَنٌ مغشوش يراد منا شربه حدّ الإشباع… محمد بوقنطار

اللبن في أدبيات معهود لسان الأميين هو الحليب بالمعنى العرفي والسلوك التداولي بين الحالب والراغب الشارب، هذا ويُعد اللبن من أكثر الأطعمة التي يسهل على الغاش المُدلس خداع الناس والتطفيف في محتواها النقي الصفي المغذي، وإنما يكون ذلك بإضافة أقرب مادة تتقاطع مع أبرزمكوّن سائل في اللبن ونعني به مكوّن الماء، إذ يكون أمام الغاش هامش كبير من إمكانية الزيادة من منسوب الماء حتى ينكشف أمر غشه وتلاعبه بنسبة الدسم التي ما تفتأ تقل، بل وتكاد تنعدم مع كل جرأة إضافة تردفها رجة ومخض وهزة تبغي يدها الآثمة أن تُجانس بين مكوّنات هذا البياض الباهت المدخون، فلا يكاد المريد المشتري المسكين يظفر من الصفقة الحليب المبستر إلا بمحلول فقد جُل بل كل مقومات نعته على الحق والصدق باللبن الخالص…

وتلكم والله استعارة يكون فيها المُشبه له هو هذا الإسلام الذي ألبسوه باسم الوسطية جُبة صوف، وبخصيصة الاعتدال ثوبا قزحيا فلكلوريا بهلوانيا، وأحاطوا جيده النصوصي بسبحة وعكازة تسند توازن الشيخ وتضفي على كيانه هالة من الكبرياء المدخول، فيسقط تباعا الحمقى والمغفلون من معشر مريدي هذه السبل الهالكة، من المقبلين على استهلاك هذا الإسلام المغشوش غشا مفضوحا، المغمور في مستنقع الشرك والوثنية العائدة ولصوصية صكوك الغفران تماما كسيرة من حذر من صنيعهم رب العباد سبحانه وتعالى: “يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله…”.

وقد أفلح مدعو النبوات فنزعوا منه دسم الوحي، وطلاوة الإخلاص، وحلاوة الاتباع، حتى صار مجافيا لإسلام الوحي، مخاصما للفطرة السوية، معاديا للصبغة الوفية لبؤرة الموقد الأول وجذوته النورانية، وكأني بها طهارة أغرقت في بحر من المكاثرة النجسة، ليحوّلوه إلى طقس بارد لا روح فيه ولا جمالية تشد إليه عقول الكبراء الأسوياء من الباحثين عن الحق في مشارق الأرض ومغاربها.

وأذكر هاهنا أنني أول ما رأيت ذلك “الكركري” في أول ظهور استشهاري منه لضلالته، وقد هجمت على خاطري استفهامات كلّها تصب في قالب من الاستغراب والاستصغار من شأنه وشأن بهتانه يعود مربط ومفاد صلب طرحها إلى قولي تيئيسا من خُبثه وخبائثه: أكان الناس مصدقي هذا العته والسفه والاستغفال والاستسذاج المخروم المزاعم المرسل الدعاوى في زمن انتشار العلم ويسر الظفر بمغنم الإسلام وهديه وهداه الحق؟؟؟

لقد كنت أستبعد كل الاستبعاد أن يقع الناس في فخ هذا التدليس، وأطرد من خاطري مجرد احتمال أن يرسف واحد من أيها الناس في أغلال هذا الاستبلاه الحقير، ذلك أن صاحب الفطرة السوية والنباهة القوية ناهيك عن إسلامية المسقط لن تجده إلا في مدافعة واستبراء لدينه ودنياه من هذا الركس الذي هو من عمل الشيطان ولا شك…

وها قد مضت الأيام ومرت الشهور لنستفيق على هول الكارثة وعظيم المصيبة، فهذه هالة من الهاموش الرقيع الطيف قد تحلقت سخائمه وتعلقت قلوب أسرابه حد الإنابة والإخبات بهذا الزيغ الهالك، نعم لقد استخف بعقولهم فأطاعوه، فلقد صار لصاحبنا مريدون كُثر من داخل المغرب وخارجه، كما صارت له منابر تطأها قدماه ضيفا عزيزا مبجلا ومكرما ومُهاب الجانب، تحتفي بطريقته المحدثة المنتديات، وتقام على شرف مقدمه المؤتمرات والمحاضرات والندوات والمساجلات، وتفتح في وجهه كبريات الجامعات ليهرف بما لا يعرف ويهذي بما لا يعلم ضاربا الرُباعي بالخماسي والخماسي بالسداسي والأخير بالسباعي على حد تعبيره ووهم هرطقته المقرفة، ولتنظم الأمسيات الدينية الروحانية تلو الأمسيات ليسود في مناكب زاويته الشطح والردح والصياح وكل ذلك باسم الحب والمحبة في الله وبزعم الاتباع لسنة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام وحاشاه، بله وليصطف الناس في طابور ضارب في الطول والعرض رغبا في رضاه، ورهبا من سخطه، وطلبا منه لصك النجاة في مقابل قرابين تمنح له على العلن من العملات الورقية المحلية والأجنبية التي تُصنع كومتها بين يديه في لحظة قصيرة الذيل لتصب في رصيد ثروته، وهو من هو؟  الزاهد المعرض على ملذات الدنيا الفانية، رقيع الثوب مسكين الحال فقير الحضرة، يزكي هذه الحال مع ملمح التنافي نومته على متن يخت بادخ هنالك في أعالي البحار بعيدا عن ضجيج المريدين وعيون الناقمين المتربصين، أو حتى سهره في رواق من أروقة الفنادق المصنفة ذات الجودة العالية، واستفادته من الخدمات الرفيعة المستوى وقد تكفلت ماجريات اليوتيوب بفضح المستور وكشف المحظور من سيرته التي أزكمت الأنوف.

إنني في غمرة هذا الختل والمراوغة لازلت أتساءل في حيرة وشديد تعجب عن أين غابت عقول هؤلاء الأتباع، وكيف تسنى لهم أن يُساقوا بين هش عصاه سوق الأغنام سيما وقد علمنا أن منهم الطبيب والمهندس والأستاذ والمثقف و…؟؟؟

كما لازلت في عظيم حيرة وكبير استغراب أرمي بسهم السؤال مقتفيا أثر سراب ذلك السكوت المريب، والضرب صفحا من أهل الشأن والمؤسسات الوصية على مثل هذا التخريب الذي مس التديّن بنصب وعذاب؟؟؟

فهل كان يغيب على أهل الاختصاص تلبس هذا وأمثاله بالباطل ومنحرف السبيل، وما راكمته طريقته، بل ومختلف طرائقهم البدعية من كوارث ومآسي عقدية، وركام من الزندقة والابتداع وتزيين الشرك وإحياء ملة عمرو بن لُحي، وعبادة المقبورين من مومياءات الأضرحة والمشاهد، وذلك رميم إقعادهم قد ذاع صيته  وجاهر بفسقه وانحرافاته شيوخ الصوفية بالغدو والآصال، بل واستوطن إرثهم الرديء المقدمة زاعمين بلسان واحد السير على منهج الكتاب والسنة وسبيل سلف الأمة…فإن تأكد لنا يقينا معرفة أهل الاختصاص وعلم المؤسسة الوصية المسؤولة على حفظ الأمن الروحي للمغاربة فلِمَ يا ترى هذا التولي يوم الزحف، وكيف طاب لهم السكوت في معرض الحاجة إلى دفع هذا الإثم وواجب مجاهدة هذا الزيغ والضلال؟؟؟

ثم ما سر اهتمام الغرب المتزايد عبر مراكزه البحثية ومؤسساته السلطوية السياسية والعسكرية والعلمية بموضوع التصوّف وأحوال المتصوّفة، فلطالما ألفيناه منذ زمن الاستعمار السافر وإبان الاستعمار المقنع حفيا بل أكثر حفاوة اليوم بشيوخ التصوف المعاصرين، باسطا لهم يد العون والنصرة، خالعا عليهم هالة من الفخر وهيبة من الوقار المزيف البهرجة؟؟؟

بل أين غاب أو غُيِّب صوت العلماء العاملين، وأين ذهبت ريحهم، وإلى أي وجهة وصوب  توارت جهودهم، وفي أي رمس دُفنت مسؤوليتهم الموكولة إليهم من ربهم، وقد هيّأهم الله تعالى لتجديد دينه والدعوة إليه وبذل الأسباب في نشره بين الناس معذرة إلى ربهم، وقد أناط بهم سبحانه وتعالى أن ينفوا عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وياليت الأمر من بعضهم أو جُلِّهم قد رابط عند نقيصة التواري والغياب والسكوت، ذلك أنه وللأسف وفي سياق الفتنة وغربة الحق وسطوة الباطل وتنفذ المترفين وجدنا منهم طيفا من المتحوّلين قد صار في ركب القوم يسعى معهم إلى الهدم وقد أجلب على الحق الذي كان يدين الله به حتى الأمس القريب، لا بسيف الزيغ والضلالة إنصافا منه وتجردا، وإنما قد جرد هذا السيف من غمده رافعا شعار الاتباع كذبا وبهتانا وتلبيسا على عوام الناس ونخبهم…؟؟؟

بل وكيف وجدنا مُدعيِّ العقلانية ومتبنيِّ العلمانية دينا وملة ومنهاج حياة بئيسة، يقيمون جسور التعاطي والتعاطف، وينسجون غزل الود والترضي والمهادنة والمشاركة والمساهمة في انتشار الطرق الصوفية، ويباركون الاستكثار من طرقها وأطيافها وأضرابها في ظل حكوماتهم العلمانية، بل ويموّلون ويوجهون أفمام وأقلام صحفهم العلمانية لتغطية الأنشطة الصوفية ومواسمهم الجاهلية، ويستضيفون رموزها في الكثير من البرامج الإذاعية والتلفزية، ويفردون لسيرها الأعمدة المكتوبة في سياق الاستشهار للخرافة، والانتصار للجهالة المركبة والضلالة المكعبة، وهم من هم؟؟؟ قوم ملأوا دنيانا بضجيج الانتصار للعقل والاصطفاف والانتماء إلى فسطاط التنوير والحداثة، ومجافاة الخرافة والظلامية والجاهلية، وتلك شنشنتهم قد عرفناها من أخزمهم كما قيل؟؟؟

إنها استفهامات واستفسارات لن يكون جوابها إلا في دائرة الجهد الذي لا يعزل انكبابه المنصف ولا يقصي عملية رصد الحالة الإقليمية، والانتباه إلى الاختيارت الكبرى للقوى المتغلبة بخصوص الحالة التديّنية للمسلمين زمن المغلوبية وإبان فترة الوهن، هذه الاختيارات التي ترى في الإسلام، أو التي لطالما رأت في إسلام الوحي تهديدا لمصالحها الأمبريالية كما أوضحت لها الدراسات الاستشراقية المتقدمة بين يدي آلتها العسكرية القاتلة، وكما أفادت كل التقارير الصادرة عن مراكزها البحثية من أمثال مؤسسة راند، ومؤسسة كارنيغي، ومؤسسة التراث، ومعهد الدراسات الاستراتيجية التابع لكلية الجيش الحربي الأمريكي، ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ومركز المصلحة الوطنية “نيكسون سابقا”، وقائمة المعطوفات هاهنا طويلة الذيل، حيث تجد المشترك هو النظرة الغربية الإجابية للتصوف، والحديث عن أصالة وعمقطقسه التعبدي في الإسلام، وإمكانيات بل واجب استثمار إمكانية إيجاد برامج ثقافية أو اجتماعية تبني وتؤسس لعراها على أساس العادات الروحانية والصوفية المحلية…

وإنني والله قد أعذر الغرب بل أجد لتوجهه ألف مسوّغ لتبنيه الخيار الصوفي بالنظر إلى موضوعية هذا الاختيار، فلطالما رأى الغرب في المنهج الصوفي وفي مواصفات الاعتدال والانبطاح التي تطبع طقوس دراويشه وفلسفة أصوله ما يُسيل لعاب طمعه، بل ويعطيه الإشارات الضوئية الخضراء لمرور دبابته واقتحام حرمات الأوطان كما وقع في أكثر من ثغر إسلامي، ولنستمع في هذا المقام إلى المستشرق البريطاني “برنارد لويس” وهو يصرح قائلا: “الصوفية رائعة، إنها تقدم شيئا أفضل من التسامح، إن الموقف من الآخرين ومن الأديان الأخرى كما تعكسه الكتابات الصوفية لا مثيل له، إنه ليس مجرد تسامح، إنه القبول”

حتى إذا عذرنا هؤلاء، فإننا في الأخير لا نملك إلا أن نبقي على صك الإدانة الممزوجة بمآسي الحيرة من أمر أولئك الأتباع الذين يتبعون رقيع الثوب ذلك الكذاب الأشر حذو القذة بالقذة، حتى ولو دخل جحر ضب لدخلوه تعلوهم ترانيم وأنغام، وشطح وردح واهتزاز قل نظيره في سلوك معشر القردة.

فوالله لو كانت العقول تُباع لاشترينا لهؤلاء عقولا، فإنهم والله وبالله وتالله لا عقول لهم…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *