وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي وأمين عام رابطة علماء المغرب الأسبق يجيز زواج الصغيرة التي لم تبلغ سن الحيض عِِدَّة من لم تَحِض عند الفقهاء والمفسرين ودلالتها على مشروعية زواج الصغيرة نور الدين درواش

طالعت بعض المنابر الإعلامية العلمانية -طوال النصف الأول من شهر رمضان المبارك- قراءها بهجوم شرس استهدف هذه المرة الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي، بشأن سؤال وُجه إليه عن معنى قوله تعالى: (وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ) فضَمَّن جوابَه الإشارة إلى أنه لا علاقة بين الحيض والزواج، وأشار استطرادا إلى مشروعية زواج الصغيرة، ومستنده في ذلك أدلة شرعية من القرآن والسنة والإجماع؛ أدلة لا يملك المسلم حقا إلا أن يقف أمامها موقف السمع والطاعة الذي أُمرنا به تجاه تشريعات ربنا سبحانه وتعالى.

ومع ذلك فلسنا من الناحية العملية مع تشجيع تزويج الصغيرات، نظرا لضعف التربية وفقدان المقومات والمؤهلات اللازمة لبناء بيت مسلم، وتكوين ذرية صالحة…
وموضوع الحيض والزواج والطلاق يدخل في إطار البحث العلمي والنقاش بين أهل الاختصاص الشرعي، أما الصِحافيين الذين لا يستطيع الواحد منهم أن يستدل على فعل واحد من أفعال الوضوء فيقال لأمثالهم: “ليس هذا بعشك فادرجي”.
و ما حفزني إلى كتابة هذا المقال هو طلب بعض العلمانيين من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجالس العلمية التدخل في الموضوع، لكن لما رأيت صمتا مطبقا خوفا من الألسن العلمانية اللاذعة ارتأيت أن أسهم بهذه المشاركة إحقاقا للحق وإبطالا للباطل فأقول وبالله التوفيق:
يُعَرِّفُ الفقهاء العدة بأنها: “مدة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها”. سبل السلام للصنعاني (3/1491)
وهي واجبة بإجماع العلماء.
والأصل في وجوبها على الصغيرة التي لم تحض قوله تعالى: )وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ( الطلاق4
فجعل الله تعالى -في هذه الآية- للتي لم تحض بسبب صغرها وعدم بلوغها عدة لطلاقها، وهي ثلاثة أشهر وهذا دليل واضح بيِّن على أنه يجوز للصغيرة التي لم تحض أن تتزوج فـ”إنما يجب على الزوجة الإعداد من الطلاق بعد الوطء، فدل على أن الصغيرة التي لم تحض يصح نكاحها، ولا جهة يصح نكاحها معها إلا أن يُزوجها أبوها”. المجموع للنووي(16/168)
-أقوال المفسرين:
قال ابن جرير: “(وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ) يقول: وكذلك عِدَدُ اللائي لم يحضن من الجواري لصغر، إذا طلقهنّ أزواجهنّ بعد الدخول. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل…” جامع البيان.

قال ابن العربي المالكي: “(وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ) يعني الصغيرة، وعدتها أيضا بالأشهر، لتعذر الإقراء فيها عادة، والأحكام إنما أجراها الله على العادات، فهي تعتد بالأشهر…”أحكام القرآن.

قال البغوي: “(وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ): يعني الصغار اللائي لم يحضن فعدتهن أيضاً ثلاثة أشهر. “معالم التنزيل.

قال ابن الجوزي: “قوله تعالى: )وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ( يعني: عدتهن ثلاثة أشهر أيضاً، لأنه كلام لا يستقلُّ بنفسه، فلا بدَّ له من ضمير، وضميره تقدَّم ذكره مظهراً، وهو العدَّة بالشهور. وهذا على قول أصحابنا محمول على من لم يأت عليها زمان الحيض: أنها تعتد ثلاثة أشهر.” زاد المسير.

قال ابن كثير: “يقول تعالى مبيناً لعدة الآيسة، وهي التي انقطع عنها المحيض لكبرها، أنها ثلاثة أشهر عوضاً عن الثلاثة قروء في حق من تحيض كما دلت على ذلك آية البقرة، وكذا الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض أن عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر، ولهذا قال تعالى: (وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ)” تفسير القرآن العظيم.

قال أبو حيان التوحيدي: “)وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ( يشمل من لم يحض لصغر، ومن لا يكون لها حيض البتة، وهو موجود في النساء، وهو أنها تعيش إلى أن تموت ولا تحيض. ومن أتى عليها زمان الحيض وما بلغت به ولم تحض فقيل: هذه تعتد سنة.” البحر المحيط.

قال أبو عبد الله القرطبي المالكي: “قوله تعالى: (وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ) يعني الصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر فأضمر الخبر وإنما كانت عدتها بالأشهر لعدم الأقراء فيها عادة، والأحكام إنما أجراها الله تعالى على العادات فهي تعتد بالأشهر…” الجامع لأحكام القرآن.
قال ابن جزي الغرناطي المالكي: “فقوله: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ) يعني انقطعت حيضتها لكبر سنها، وقوله: (وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ) يعني الصغيرة التي لم تبلغ المحيض وهو معطوف على اللائي يئسن أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره واللائي لم يحضن كذلك” التسهيل لعلوم التزيل.
وقال الشيخ محمد المكي الناصري: “..كما أن المرأة الصغيرة التي لم تبلغ سن الحيض، إذا كانت متزوجة وفارقها زوجها فإن عدتها تنحصر في ثلاثة أشهر أيضا مثل عدة الكبيرة الآيسة سواء بسواء” (من التفسير المسموع: حلقة الحزب 56/الربع الثالث) وهذا التفسير للشيخ المكي -أمين عام رابطة علماء المغرب ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأسبق- ظل يذاع مرارا على أثير الإذاعة الوطنية عقودا دون نكير من أحد فما الذي تغير؟؟
قال الشيخان محمد الصقلي وإدريس التبر -من علماء القرويين- في كتابهما “التفسير الصحيح في دروس القرآن الكريم” الذي كان إصداره وفق مقرر وزارة التعليم الابتدائي والثانوي تعليقا على الآيات الأربعة الأولى من سورة الطلاق: اشتملت هذه الآيات على توضيح كيفية الطلاق وبيان أحكام العدة، فأوجبت على الزوج أن لا يضر بالمرأة عند الطلاق وأن لا يخرجها من البيت قبل أن تكمل عدتها: وهي ثلاث حيضات للمرأة التي تحيض، وثلاثة أشهر للصغيرة التي لم تحض وللكبيرة التي يئست من المحيض..” ص:86 المطبعة العصرية.
فهل الوزارة المذكورة والشيخان محمد الصقلي وإدريس التبر من الذين كانوا يشجعون على اغتصاب الأطفال و”البيدوفيليا”؟؟؟
-أقوال الفقهاء:
-الحنفية:
جاء في المبسوط للسرخسي: “(وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ) بَيَّن الله تعالى عدة الصغيرة وسبب العدة شرعا هو النكاح وذلك دليل تصور نكاح الصغيرة..” (4/43).

-المالكية:
قال ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة:” فإن كانت ممن لم تحض أو ممن قد يئست من المحيض فثلاثة أشهر في الحرة والأمة”.
وشرحه النفرواي في الفواكه الدواني بقوله:”(فإن كانت) المطلقة (ممن لم تحض) لصغر ولكن مطيقة للوطء (أو) كانت كبيرة لكن (قد يئست من المحيض) بأن جاوزت السبعين (فثلاثة أشهر) عدتها (في) حق (الحرة) ومثلها (الأمة) على المشهور لقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)” (5/309).
-الشافعية:
قال الماوردي في الحاوي الكبير: “)وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ( يعني الصغار، والصغيرة تجب العدة عليها من طلاق الزوج، فدل على جواز العقد عليها في الصغر.”(9/116).
-الحنابلة:
قال ابن قدامة في المغني: والمعتدات ثلاثة أقسام :… القسم الثالث: معتدة بالشهور وهي كل من تعتد بالقرء إذا لم تكن ذات قرء لصغر أو إياس لقول الله تعالى…وذكر الآية الآنفة الذكر” (9/77)
وجاء في الروض المربع: “من فارقها زوجها حيا ولم تحض لصغر أو إياس فتعتد حرة ثلاثة أشهر لقوله تعالى :)وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (أي كذلك” (1/605).
ليس هذا فحسب بل إن القضية محل إجماع بين أهل العلم، وانظر غير مأمور كتاب “الإقناع في مسائل الإجماع” لابن القطان الفاسي (2/45).
فعود على بدء؛ هل يتصور عاقل عدة بغير مفارقة زوج؟؟
وهل يتصور زوج من غير زواج؟؟
فما لهؤلاء العلماء كلهم يثبتون عدة الصغيرة التي لم تبلغ المحيض ويتفقون على أنها ثلاثة أشهر؟؟
وما جواب العلمانيين عن هذا الحكم الواضح المبين الثابت في كتاب الله والمجمع عليه من قِبَل علماء المسلمين؟
هل يستطيعون وصف القرآن الكريم والأئمة الذي سبق ذكرهم، من فقهاء ومفسرين بأنهم يشجعون على الرذيلة ويحاربون حقوق الطفل؟ فضلا عن الألفاظ الساقطة ألتي أمطروا بها واحدا من كبار دكاترة المغرب ومن علمائه المعتبرين.
وهل يستطيعون أن يتخلوا عن الأفكار الغربية، وتوصيات المنظمات العالمية، والمواثيق الدولية، ويتحاكموا في هذه المسألة ومثيلاتها كالحجاب والربا إلى المذهب المالكي مذهبِ إمام أهل السنة وعالم المدينة الذي لطالما تشدقوا بالدفاع عنه في حربهم للعلماء.
لكنهم لا يستطيعون. لأنهم سيهدمون بذلك أركان العلمانية وهم عليها مربون.
فمتى يا ترى يرعوون؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *