خلاصة المقال في قضية التكفير بالمآل وبلازم الأقوال الحلقة الواحد والعشرون

من المزالق العظيمة في باب الإيمان والكفر التكفير بالمآل، وإطلاق الإكفار بلازم الأقوال، وهذا شأن المبتدعة كما هو معلوم مقرر عند أهل العلم.

يقول الإمام ابن رشد رحمه الله: “أكثر أهل البدع إنما يكفرون بالمآل” بداية المجتهد 2/343.
وقال الشوكاني رحمه الله: “وقد علم من كان من الأعلام أن التكفير بالإلزام من أعظم مزالق الأقدام، فمن أراد المخاطرة بدينه فعلى نفسه جنى” السيل الجرار 580.
قال الناظم:
ويحرم التكفير بالمآل كذا الذي بلازم الأقوال
وكثير من أهل العلم لا يفرقون بين التكفير بالمآل والإكفار بلازم الأقوال، فيعبرون باللازم عن المآل وبالعكس(1) ذلك لصعوبة وعسر ودقة التفريق بينهما، على أن الظاهر من تعريف كل منهما كما سيأتي يوحي بوجود فرق بينهما دقيق والله أعلم.

التكفير بالمآل
المراد بمآل الكلام: “ما يفضي إليه كلام المتكلم من المعاني، ولو لم يقصدها” الإحكام في قواعد الحكم على الأنام لمحمد يسري101.
أو: “ما يؤول إليه اللفظ وما يرجع إليه القول عن طريق جملة من الوسائط الاستدلالية”.
وعليه فحقيقة التكفير بالمآل: “أن يقول قولا يؤدي سياقه إلى كفر وهو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤول كلامه إليه، كحال بعض أهل البدع والمتأولين” انظر الشفا للقاضي عياض 2/1056.
وقال ابن رشد رحمه الله: “ومعنى التكفير بالمآل: أنهم لا يصرحون بقول هو كفر، ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر، وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم” بداية المجتهد 2/492.
والمقرر عند أهل العلم عدم التكفير بالمآل إلا أن يُعرض عليه فيقول به.
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: “والذي كنا نسمعه من الشيوخ أن مذهب المحققين من أهل الأصول: (أن الكفر بالمآل ليس بكفر في الحال)(2)، كيف والمُكَفَّر ينكر ذلك المآل أشد الإنكار ويرمي مخالفه به” الإعتصام 2/197.
ويقول ابن حزم رحمه الله: “وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به..” الفصل 2/269.

التكفير باللازم
اللازم في اللغة هو: “ما يمتنع انفكاكه عن الشيء” شرح القاموس للزبيدي 9/59، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي 615.
وأما اصطلاحا فيختلف تعريفه باختلاف الأبواب والفنون، والذي يفيدنا في مجالنا هذا تعريفه عند المناطقة، والذي هو في الوقت نفسه يوافق المعنى اللغوي الذي مر قريبا. انظر كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي 4/89.
وقد يقال بناء على هذا أن لازم القول اصطلاحا هو: “ما يرتبط به من المعاني الخارجة عن لفظه” الإحكام في قواعد الحكم على الأنام 103.
وينقسم اللازم إلى أقسام متعددة لاعتبارات مختلفة، ومما يلزمنا في بحثنا هذا من ذلك أن اللازم قد يكون بينا وهو: “الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما”.
وقد يكون غير بين (اللازم الخفي) وهو: “الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينه وبين ملزومه إلى وسط” انظر التعريفات للجرجاني 190.
وبناء عليه فالتكفير باللازم هو الحكم على المعين بالكفر بما دل عليه لفظه وقوله الصريح من الكفر بأمر خارج عن مسماه لازم له لزوما ذهنيا، بحيث يلزم من فهم المعنى المطابق فهمُ ذلك الخارج اللازم.

هل لازم القول قول، ولازم المذهب مذهب أم لا؟ (هل اللازم الكفريُّ من قول الإنسان يكفَّر به؟)
قبل ذكر الخلاف في المسألة لا بد أن نحرر محل النزاع فنقول:
أولا: إذا التزم القائل باللازم أصبح قولا له، وإذا لم يلتزمه لم يكن قولا له.
قال ابن حجر رحمه الله: “والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعرض عليه فالتزمه، أما من لم يلتزمه وناضل عنه، فإنه لا يكون كافرا ولو كان اللازم كفرا” فتح المغيث للسخاوي 1/334، وانظر العلم الشامخ للمقبلي 412.
ثانيا: أن يذكر له اللازم ويمنع التلازم بينه وبين قوله فهذا ليس قولا له بل إضافته إليه كذب عليه.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: “الصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبا عليه، بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال” الفتاوي 20/217.
ثالثا: أن يكون اللازم مسكوتا عنه فلا يذكر بالتزام ولا منع، فهل يكون قولا أو مذهبا للمتكلم أم لا؟
اختلف في هذا على أربعة أقوال:
1ـ أنه ليس مذهبا له ولا قولا.
قال الشاطبي رحمه الله: “ولازم المذهب هل هو مذهب أو لا؟
هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول. والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأي المحققين أيضا أن لازم المذهب ليس بمذهب” الاعتصام 2/64.
وقال القاري في مرقاة المفاتيح 1/283: “قال ابن حجر -أي الهيثمي-: الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف أنا لا نكفر أهل البدع والأهواء إلا إن أتوا بمكفر صريح لا استلزامي لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بلازم”، وانظر التقرير والتحبير لابن أمير الحاج 3/425، وهو مذهب العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام 172 والزركشي كما نص عليه في غير ما كتاب له، انظر المنثور 3/90.
2ـ أن لازم المذهب مذهب وهو قول الأثرم والخرقي.
يقول شيخ الإسلام: “..فهذا مبني على تخريج ما لم يُتكلم فيه بنفي ولا إثبات هل يسمى ذلك مذهبا؟ أولا يسمى مذهبا؟ ولأصحابنا فيه خلاف مشهور، فالأثرم والخرقي وغيرهما يجعلونه مذهبا” الفتاوي 35/288-289.
3ـ لازم المذهب يكون مذهبا إذا كان اللزوم بينا غير خفي.
قال العطار في حاشيته على جمع الجوامع 1/371: “لازم المذهب لا يعد مذهبا إلا أن يكون لازما بينا” وانظر حاشية الدسوقي 4/301.
التفصيل في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويعد مذهبه هذا أحسن وأجود ما قيل.
قال رحمه الله: “لازم قول الإنسان نوعان:
احدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذهب الأئمة من هذا الباب.
والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض، وقد بينت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لم يشعر بفساد ذلك القول ولا يلتزمه.
وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله” القواعد النورانية 128-129.
وخلاصة البحث أنه لا يكفر بالمآل ولا يطلق القول بتكفير المسلم بلازم الأقوال.

شبهة والرد عليها
إذا قيل: إذا كان هذا اللازم لازما من قوله (وما يؤول إليه القول من جنس ما يلزم منه، فتنبه) لزم أن يكون قولا له لأن ذلك هو الأصل لا سيما مع قرب التلازم.
الجواب: إن هذا مدفوع بأن الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل أو يسهو أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات، من غير تفكير في لوازمه ونحو ذلك. انظر القواعد المثلى لابن عثيمين رحمه الله 14.
يقول ابن القيم في نونيته:
ولوازم المعنى تراد بذكره *** من عارف بلزومها الحقان
وسواه ليس بلازم في حقه *** قصد اللوازم وهي ذات بيان
إذ قد يكون لزومها المجهل أو  *** قد كان يعلمه بلا نكران
لكن عرته غفلة بلزومها *** إذ كان ذا سهو وذا نسيان
ولذاك لم يك لازما لمذاهب *** العلماء مذهبهم بلا برهان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1: ومنهم الشاطبي في الاعتصام 2/197، وابن الوزير في العواصم والقواسم 4/367 في آخرين.
2: وهذا بخلاف قول أهل العلم: “من نوى الكفر في المآل كفر في الحال” فتنبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *