مفهوم لفظة “الكراهة” التي جرت على لسان الأئمة

مما غلط فيه كثير من الناس حتى بعض الخواص من أهل العلم حمل لفظة الكراهة التي جرت على لسان سلفنا الصالح على ما هو مصطلح عليه عند المتأخرين, حيث قرر المتأخرون من الأصوليين والفقهاء على أن الكراهة أو المكروه هو: “ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم” تقريب الوصول إلى علم الاصول لابن جزي 212, وهو: “ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله” نهاية السول للأسنوي 1/64 مع شرح البدخشي.
وهذا المعنى حادث لا ينبغي حمل كلام أئمة السلف الذي وردت فيه هذه اللفظة عليه بلا قرينة قوية, حيث غلب على السلف الصالح استعمال لفظة الكراهة بمعنى التحريم من باب الورع, وهذا كما قال مالك رحمه الله في كثير من أجوبته: أكره هذا, وهو حرام, وكذا أحمد رحمه الله قال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه, ومذهبه تحريمه, إلى غير ذلك, انظر إعلام الموقعين 1/39.
وقد اقتدوا في ذلك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حيث استعملت هذه اللفظة فيهما على معنى التحريم.
قال ابن القيم: “وقد قال تعالى عقب ذكر ما حَرَّمَه من المحرمات من عند قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ) إلى قوله: (فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا) إلى قوله: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) إلى قوله:( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى) إلى قوله: ( وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقّ) إلى قوله: (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ) إلى قوله: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) إلى آخر الآيات, ثم قال: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوها).
وفي الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال, وإضاعة المال, وكثرة السؤال)” إعلام الموقعين 1/40.
قال الرازي رحمه الله: “وأما المكروه فيُقال بالاشتراك على أحد أمور ثلاثة:
أحدهما: ما نُهي عنه نهي تنزيه: وهو الذي أشعر فاعله بأن تركه خير من فعله, وإن لم يكن على فعله عقاب.
وثانيها: المحظور، وكثيرا ما يقول الشافعي رحمه الله: أكره كذا وهو يريد به التحريم.
وثالثها: ترك الأوْلى: كترك صلاة الضحى ويسمى ذلك مكروها لا لنهي ورد عن الترك بل لكثرة الفضل في فعلها” المحصول 1/104, وانظر الإحياء 2/51.
وعليه قال ابن القيم رحمه الله: “وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك, حيث توَرَّع الأئمة عن اطلاق لفظ التحريم, وأطلقوا لفظ الكراهة فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة, ثم سهل عليهم لفظ الكراهة, وخفت مؤنته عليهم, فحمله بعضهم على التنزيه, وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى, وهذا كثير جدا في تصرفاتهم فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة” إعلام الموقعين 1/39.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *