المعالم العامة لمنهجية الإمام مالك في العلم والفقه والفتيا “تعظيم الإمام مالك رحمه الله للسنة والدليل” رشيد مومن الإدريسي

دلت نصوص القرآن وسنة النبي العدنان عليه الصلاة والسلام على التمسك بالسنة وتعظيمها، بل نجد في مواقف السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم من القوة والحزم في ذلك ما هو معلوم من سيرهم.

فهذا الصديق رضي الله عنه كان يقول: “لست تاركا شيئا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يعمل به إلا عملت به وإني لأخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ” البخاري ومسلم.
علق ابن بطة رحمه الله على هذا بقوله: “هذا يا إخواني الصديق الأكبر يتخوف على نفسه الزيغ إن هو خالف شيئا من أمر نبيه عليه الصلاة والسلام فماذا عسى أن يكون من زمان أضحى أهله يستهزؤون بنبيهم وبأوامره..؟!”.
هكذا كان السلف الصالح والأئمة الأعلام، كانت سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام مقدمة عندهم على كل شيء، فكلام النبي عليه الصلاة والسلام هو الأول لا يقدم عليه كلام أحد من البشر كائنا من كان.
ومن هؤلاء الأعلام إمامنا مالك رحمه الله فقد كان معظما للدليل، متوقيا مخالفة حديث البشير النذير عليه الصلاة والسلام.
ففي الجزء السادس من العارضة لابن العربي المالكي رحمه الله قال: “..ومما يجب أن تعرفوه أن مالكا رضي الله عنه كان يتوقى مخالفة الحديث كثيرا..”.
فكان لسان حاله رحمه الله يتمثل قول من قال: “إذا بلغك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام حديث فإياك أن تقول بغيره، فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان مبلغا عن الله تعالى”.
ولذا أثر عنه رحمه الله قوله: “لا تعارضوا السنة وسلموا لها” معنى قول الإمام المطلبي للسبكي 105.
ومع هذا تجد بعض أتباعه يتنكبون هذا الطريق فيما بانت فيه السنة ودلت على المراد دون معارض مرعي، حتى ذكر أهل التحقيق من أهل العلم أن عذر الإمام ليس عذرا لأتباعه إن تبين أو بيّن لهم الحق، وقد وردت أقوال الأئمة في هذا الصدد تؤكد هذا المعنى، وتبين تبرأهم ممن خالف ذلك جملة، وهذا من كمال علمهم وتقواهم، حيث أشاروا بذلك إلى أنهم لم يحيطوا علما بالسنة كلها.
قال المعصومي رحمه الله: “لم يقل أحد من الأئمة: اتبعوني. فيما ذهب إليه، بل قالوا خذوا من حيث أخذنا.
على أن هذه المذاهب أضيف إليها كثير من أفهام القرون المتأخرة، وفيها كثير من الغلط، والمسائل الافتراضية التي لو رآها أحد من الأئمة الذين نسبت إلى مذاهبهم، لتبرؤوا منها، وممن قالها” هل المسلم ملزم بإتباع مذهب معين 58-59.
ومن مواقف الإمام مالك رحمه الله التي تدل على تعظيمه للدليل ما حكاه ابن وهب رحمه الله قال: “سئل مالك عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، فقال ليس ذلك على الناس، فأمهلته حتى خف الناس عنه ثم قلت له: يا أبا عبد الله سمعتك تفتي في مسألة عندنا فيها سنة، قال: وما هي؟ قلت: حدثنا ابن لهيعة والليث بن سعد عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحلي عن المستورد ابن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله يتوضأ فيخلل بخنصره ما بين أصابع رجليه.
قال: فقال لي مالك: إن هذا لحسن وما سمعت به قط إلا الساعة.
قال ابن وهب: ثم سمعته بعد ذلك يسأل عن تخليل الأصابع في الوضوء فيأمر به” التمهيد 24/259.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله: “وقد روي عن مالك أنه كان لا يرى تخليل أصابع الرجلين فى الوضوء ويراه من التعمق، حتى بلغه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يخلل فرجع إلى القول به” الموافقات 1/170.
وعليه فالواجب تعظيم الدليل كما هو طريق العلماء الذين جعلهم الله أدلاء على الحق، وجعل السنة حجة على جميع الأمة كما أجمعت على ذلك فيما حكاه الإمام الشافعي رحمه الله كما هو مشهور، ولو كان ذلك على خلاف المذهب الذي يتمذهب له المرء.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى المصرية: “إذا كان الرجل متبعا لأبي حنيفة أو لمالك أو للشافعي أو لأحمد رحمهم الله تعالى مثلا، ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن في ذلك ولم يقدح ذلك في دينه ولا في عدالته بلا نزاع، بل هذا أولى بالحق وأحب إلى الله ورسوله ممن يتعصب لواحد معين غير النبي عليه الصلاة والسلام..”.
ولذا نقل العلامة الونشريسي رحمه الله في المعيار المعرب في نوازل الصلاة عن ابن لب رحمه الله مانصه: “والخلاف كثير وظواهر الشريعة هي الجادة بحيث يجب الرجوع إليها عند اشتباه الطرق واختلاف الفرق”.
وصاحب الشريعة هو نبينا عليه الصلاة والسلام، فكل طريق لم يمش عليها فهو ظلام، ولا يكون أحد ممن مشى فيه على يقين من السلامة وعدم العطب، ولأنه عليه الصلاة والسلام هو الإمام، والمأموم إذا خرج عن اتباع إمامه وتعدى ما حده له مشى في ظلام بقدر بعده عن شعاع نور إمامه.
قال الإمام القرافي المالكي رحمه الله :”كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس، ولا يفتي به في دين الله تعالى.. فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم، فكل ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به، ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه، لكنه قد يقل وقد يكثر، غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا في مذهبه إلا من عرف القواعد والقياس الجلي والنص الصريح وعدم المعارض لذلك، وذلك يعتمد تحصيل أصول الفقه، والتبحر في الفقه (1)، فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدا عند أئمة الفتوى والاجتهاد” الفروق2/109.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – ولا يعني هذا عدم وجود مرتبة “المتبع” أو “المتبصر” كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *