مسالك علماء المذهب في تحقيق المذهب المذهب المالكي أنموذجا “ضبط معاني المصطلحات” -الحلقة الأولى- رشيد مومن الإدريسي

من طرائق تحقيق الأقوال الفقهية خاصة وتنقيحها ضبط معاني الاصطلاحات في هذا الباب، ولذا كان لهذا الشأن أهمية كبرى حيث شغل هذا علماء كُثر، حتى ألفت في ذلك الرسائل للكشف عن معاني اصطلاحات المذاهب، بل اعتنى أصحاب كل مذهب من المذاهب الفقهية بذلك ضمن مؤلفاتهم، والبعض أفرد مصنفات لها ومن ذلك المذهب المالكي، خاصة عند فُشوِّ المختصرات ومنها مقدمة مواهب الجليل شرح مختصر خليل للحطاب رحمه الله، ومقدمة منح الجليل شرح مختصر خليل لعليش رحمه الله، ودليل السالك للمصطلحات والأسماء في فقه الإمام مالك لحمدي شلبي، ومنار السالك إلى مذهب الإمام مالك للجراجي، وعمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين لنور سيف، في آخرين.

وعليه فمن سبل الوقوف عند الصواب في المذهب تفهم المقصود بالمصطلح1 المتداول فيه، ذلك لأن مشكلة المصطلحات التي نشأت عن الاجتهادات الفقهية وجرت على لسان العلماء والفقهاء تكمن في كونها ترتهن لإرادة من يستخدمها.
ومما يدل على ذلك ويؤكده أن العرب2 كما قال الشاطبي المالكي رحمه الله كان من عرفها “تسمية الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم واحد” (الموافقات 2/66 بتصرف يسير).
فتعين بذلك ضرورة النظر إلى اللفظة في سياق تحولاتها الدلالية، وهذا يقتضي تتبعها ورصد معانيها عند مستعمليها، لأن غلبة الاستعمال في بعض المعاني تعفي ما كان يفهم من اللفظ قبلها.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: “وما من أهل فن إلا وهم معترفون بأنهم يصطلحون على ألفاظ يتفاهمون بها مرادهم كما لأهل الصناعات.. ألفاظ يعبرون بها عن صناعتهم، وهذه الألفاظ هي عرفية عرفا خاصا ومرادهم بها غير المفهوم منها في أصل اللغة” اهـ (درء تعارض العقل والنقل 1/222 فما بعدها).
ولذلك قرر الإمام الشاطبي المالكي رحمه الله أنه من شروط مطالعة الكتب والمصنفات أن يحصل للناظر فيها “فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله” (الموافقات 1/147 تحقيق مشهور).
وليعلم أن جملة الأسباب التي دعت العلماء ومنهم المالكية إلى وضع هذه المصطلحات العرفية:
أولا: وجود ماهية عامة لها معنى وافٍ، فلا يمكن أن يوجد لها مصطلح واحد يغطي كافة معانيها فيضطر لوضع عدة مصطلحات كل مصطلح يغطي وجها من الوجوه.
ثانيا: اختلاف مفاهيم المجتهدين في تحديد وضيفة الماهية، فيضطرهم هذا لأن يضعوا مصطلحات عدة، فيضع كل مجتهد مصطلحات للماهية حسب تصوره لوظيفتها.
ثالثا: تصور المجتهد أن المسألة فيها حكمان، فيحتاج لوضع جديد يبرهن فيه على مذهبه ليفرق بين الحكم السابق والحكم الطارئ.
رابعا: التطور الاجتماعي أو اختلاف الأجيال بتباعد الأزمان.
(انظر المصطلح الأصولي ومشكلة المفاهيم لعلي جمعة 30-31-32 حاشية).
وبناء عليه تتجلى أهمية المصطلح في كونه على حد تعبير الإمام الشاطبي المالكي رحمه الله: “إما: واصفاً لعلم كان، أو ناقلاً لعلم كائن، أو مؤسساً لعلم سيكون” الموافقات 1/77 تحقيق دراز.
فالألفاظ والمصطلحات قد توجد في فن معين، وقد تستعمل هي نفسها في بعض العلوم الأخرى، فلا ينبغي أن يستشكل ذلك -لما مر معنا ذكره- ولا تظنن -كما أشرنا إليه سلفا- أن معناها في هذا العلم هو نفس معناها في العلوم الأخرى، بل لكل علم اصطلاحه، أي: معناه الخاص به، بحيث يؤدي هذا اللفظ في كل علم يستعمل فيه معنى يختص به.
وقد يختلف المصطلح الواحد في العلم الواحد باختلاف القائلين، وقد تختلف دلالة المصطلح في العلم الواحد باختلاف الزمان أو المكان، بل العَالِم الواحد قد يستخدم هو نفسه المصطلح الواحد لأكثر من معنى، فيعني به في موضع معنى ما، وفي موضع آخر معنى آخر.
وليس من شك أنه يجب على من يريد ضبط معاني اصطلاحات العلماء أن يربط بين دلالة المصطلح وبين قائله -إذا كان يعني به معنى خاصا-، والزمان الذي استعمل فيه إذا كان قد تغيرت دلالته من زمان إلى زمان والمكان أيضا، إذا كانت دلالته قد تغيرت من مكان إلى مكان.
وإذ نحن قد أغفلنا هذا الاختلاف، وقعنا بالضرورة في أخطاء تكبر أو تصغر بحسب ما للمصطلح ذاته من أهمية منهجية.
هذا وإنما يُعرف تفسير المصطلح من أهله العارفين به المتخصصين الدارسين والمتأملين، لا من غيرهم.
والسبيل إلى إدراك ذلك بأمرين:
أولهما: أن يأتي نص عن إمام متخصص يفصح به عن معنى هذا اللفظ عنده أو عند غيره.
ثانيهما: الاستقراء والتتبع للمواضع التي ورد فيها هذا اللفظ، فيعرف معناه من خلال السياق، أو من خلال مقارنة هذه المواضع بعضها ببعض.
قال الناظم:
اعلم بأن اللفظ قد يستعمل **** في غير ما علم فلا يسشكل
فكل علم وله اصطلاحـــه **** معناه عند أهله وشرحــــه
يدرى بالاستقراء أو بنص **** صاحبه أو عالم مختــــــص
وربما تعددت معانـــــــــي **** الاصطلاح عند أهل الشان
ومما يرجع إلى ضبط معنى المصطلح لتحقيق الأقوال الفقهية خاصة وتضييق وجهات النظر عند مآخد البحث العلمي: الاعتناء بالتعريفات والحدود بعد تحقيقها، للرجوع إليها عند الاختلاف3، وليتوصل بها بعد ذلك إلى التصور الصحيح، والمعنى الفصيح.
قال القرافي المالكي رحمه الله: “إذا اختلفتم في الحقائق فحكموا الحدود” اهـ (الفروق 4/200).
ولذا ألف علمائنا المالكية في ذلك مؤلفات عديدة كغيرهم من علماء المذاهب الأخرى من ذلك:
“الحدود في الأصول” لسليمان بن خلف الباجي المالكي، و”الحدود” لابن عرفة المالكي (المتوفى سنة 803هـ) في آخرين.
فالمصطلح -إذن- من فقرات “صلب العلم”4، وليس أدلَّ على ذلك من أننا إذا جرَّدنا أي علم من مصطلحاته فلا يبقى منه بعد ذلك شيء، وذلك أمر مطّرد في جميع العلوم لا يند عنه منها شيء. فإذا كان “من العلم ما هو صلب العلم، ومنه ما هو ملح العلم”5.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. المصطلح هو: “اللفظ الذي يُسمّي مفهوماً معيَّناً داخل تخصُّص ما”، قاموس اللسانيات مع مقدمة في علم المصطلح للمسدي 10، مع التنبيه على أن لفظ الاصطلاح غالبا ما يستعمل في العلم الذي تحصل معلوماته بالنظر والاستدلال. انظر “الكليات” لأبي البقاء اللغوي رحمه الله 129.
2. جاء في كتاب سيبويه: “اعلم أن من كلامهم (أي العرب) اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين..” الكتاب1/24.
3. قال الإمام ابن حزم رحمه الله: “لو اتفقت مصطلحات الناس لانتهت ثلاثة أرباع خلاف أهل الأرض” اهـ. نقلا عن المصطلح الأصولي ومشكلة المفاهيم، لعلي جمعة ص:47.
4. يقول الشاطبي المالكي رحمه الله: “من العلم ما هو صلب العلم، ومنه ما هو ملح العلم..” الموافقات 1/ 107 تحقيق مشهور.
5- مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين قضايا ونماذج، د. الشاهد البوشيخي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *