مسالك علماء المذهب في تحقيق المذهب المذهب المالكي أنموذجا “التمييز بين الكتب المعتمد عليها وغير المعتمد عليها” -الحلقة الثانية- رشيد مومن الإدريسي

تعتبر دواوين الفتوى ومصنفات الفقه عند مختلف أرباب المذاهب الفقهية موئلا بالنسبة للمفتي والمتبصر للتعرف على الأحكام الفقهية تصورا وحكما، وعموم الكتب في هذا الباب مشهورة ومعتمد عليها عند أهل الشأن خاصة، لكن مع مرور الزمن تضاءلت العناية ببعض الكتب الموثوق بها، فنتج عن ذلك اعتماد طائفة من المتفقهة على بعض الكتب التي لم تشتهر بل تعد غريبة أو التي لم يحكمها أصحابها كلا أو بعضا(1) أو تعرض لها تزوير وتحريف(2) أو كانت منحولة.

ومن المذاهب التي عرض فيها ذلك مذهب السادة المالكية ولذا قال الإمام القرافي المالكي رحمه الله: “تحرم الفتوى من الكتب الغريبة التي لم تشتهر، حتى تتظافر عليها الخواطر والأنظار ويعلم صحة ما فيها، وكذلك الكتب الحديثة التصنيف إذا لم يشتهر عزو ما فيها من النقول إلى الكتب المشهورة، ويعلم أن مصنفها كان يعتمد هذا النوع من الصحة، وهو موثوق بعدالته، وكذلك حواشي الكتب تحرم الفتوى بها لعدم صحتها والوثوق بها” الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام 244-245.
مع التنبه إلى أن الجملة الأخيرة في كلام القرافي رحمه الله ليست على إطلاقها ولذا علق القاضي ابن فرحون المالكي رحمه الله عليها في تبصرة الحكام 1/54-55 بقوله: “ومراده إذا كانت الحواشي غريبة النقل. أما إذا كان ما فيها موجودا في الأمهات أو منسوبا إلى محله، وهي بخط من يوثق به فلا فرق بينها وبين سائر التصانيف. ولم تزل العلماء ينقلون ما على حواشي كتب الأئمة الموثوق بعلمهم المعروفة خطوطهم(3)، وذلك موجود في كلام القاضي عياض والقاضي أبي الأصبغ بن سهل وغيرهما، إذا وجدوا حاشية يعرفون كاتبها نقلوا ذلك عنه ونسبوها إليه، وأدخلوا ذلك في مصنفاتهم، وأما حيث يجهل الكاتب ويكون النقل غريبا فلا شك فيما قاله القرافي رحمه الله تعالى”(4).
قال صاحب البوطليحية في نظمه:
وتحرم الفتوى من اجل الريبة من كتب لم تشتهر غريبة
ومما ينبغي أن يعلم في هذا الباب أنه مع الاعتماد على الكتب المشهورة في نقل الأحكام الفقهية والفتاوي إلا أنه لا بد أن يكون الناقل والمتعرف ذا فهم وإطلاع على أصول وقواعد الإفتاء وضبط الأحكام، ومعرفة طرائق أهل العلم في مصنفاتهم ومسالك التحقيق والترجيح عندهم حتى لا يجانب الصواب، وعموما لا بد له من مفاتيح لمعاناة ذلك وممارسته، والأصل في امتلاك هذه المفاتيح قراءة هذه الكتب على الشيوخ العارفين.
ولأجله ورد في نوازل عبد الرحمن الفاسي أن أئمة المذهب المالكي كالقابسي واللخمي وابن رشد أفتوا بأنه لا يجوز الفتوى من الكتب المشهورة لمن لم يقرأها على الشيوخ فضلا عن الغريبة كما في نور البصر للهلالي المالكي ملزمة 9 ص:4.
وتتأكد الدراية بتلكم المفاتيح إذا كان الأمر يخص النوازل حتى قال ابن رشد المالكي الجد رحمه الله: “والعمل بما في الكتب لمن لا يدري لا ينجو من الخطأ فيه لوجوه: منها أن النازلة لا تجيء له مثل نص الكتاب إلا نادرا، وأكثر ما تجيء شبيهة لها، وتلك الشبهة تغلط الناس، فيكتب عليها شيء بغير معنى، ويخرجها عن سبيلها، فمن لا علم عنده أو لا علم بالأصول التي قال فيها القوم، يخرج عن الأصل، ويقع في الخطأ وهو لا يعلم” فتاوي ابن رشد رحمه الله 3/1620.
فحري إذن بالمتفقه المالكي معرفة الكتب المعتمد عليها في مذهبه من غيرها، والمحكمة فقهيا منها والتي لم تضبط مسائلها، كما ينبغي عليه التعرف على الكتب المنحولة.. وهكذا دواليك، وهذه إطلالة عامة على أهم ذلك ومجمله(5):
فمن الكتب المعتمد عليها في الفقه والفتوى في المذهب المالكي:
– موطأ الإمام مالك رحمه الله فهو أول كتاب جمع بين الفقه والحديث، وأول كتاب فتح باب الفتوى والنوازل، إذ تضمن ما كان يسأل عنه الإمام مالك رحمه الله فيجيب بناء على ذلك، كما أنه يعد أول كتاب حصل فيه ربط الدليل بالمدلول عليه، وذلك عمدة الفتوى. (انظر أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي593).
– المدونة الكبرى برواية سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم رحمه الله، “وهي مقدَمَة على غيرها من الدواوين بعد موطأ مالك رحمه الله.. ولا بعد الموطأ ديوان في الفقه أفيد من المدونة..” المقدمات الممهدات 1/27، وانظر المدارك 3/300.
وذكر المؤلفون الذين تكلموا عن جهود سحنون رحمه الله في تدوينها أنه رتب بعضها، وتوفي قبل أن يرتب بقيتها، فكان ما رتبه يسمى بالمدونة، وما لم يرتبه يسمى المختلطة. (انظر مقدمة ابن خلدون 542).
ولكنهم لا يبينون ما رتب منها مما لم يرتب، ولذلك ربما تجدهم أحيانا يسمونها المختلطة تغليبا لجانب الاختلاط. (انظر حاشية العدوي على شرح الخرشي 1/38).
– التهذيب على المدونة لخلف بن أبي القاسم سعيد البرادعي رحمه الله وهو اختصار لمدونة سحنون إلا أنه لا يزال في عالم المخطوطات.
ومما ينبغي معرفته في خصوصها أن البرادعي رحمه الله ترك كتابه هذا دون ترتيب ولا تبويب، فرتبه عبد الله بن سعيد بن العاص رحمه الله وبوبه.
يقول عبد الله هذا رحمه الله في مقدمته لكتاب التهذيب: “..وكان المؤلف له (أي: التهذيب) خلف بن سعيد رحمه الله لم يبوبه، فاستخرت الله عز وجل عل تبويبه، واستعنته على ترتيبه، ليكون أرغب للطالب، وأقرب لتفهم الراغب..” (نقلا عن كتاب المذهب المالكي مدارسه ومؤلفاته، خصائصه وسماته، لمحمد المختار محمد المامي، وانظر المقدمة لابن خلدون 542).
– الرسالة لابن أبي زيد القيرواني رحمه الله، ومما يدل على أهميتها اعتماد القرافي رحمه الله عليها عندما جعل خمسة من كتب الفقه المالكي أصولا لكتابه الذخيرة. (انظر مقدمة الذخيرة 1/36).
وقد ذهب بعض علماء شنقيط وهو الغلاوي المالكي رحمه الله صاحب بوطليحية إلى ضرورة البداءة بالرسالة قبل خليل، وقراءة مختصر الأخضري قبل ابن عاشر رحمة الله على الجميع، فقال ناظما(6):
علامة الجهل بهذا الجيل ترك الرسالة إلى خليل
وترك الأخضري إلى ابن عاشر فترك ذين للرسالة احذر
– شرح القلشاني على الرسالة، وقد طبع طرف منه من كتاب الوصايا إلى آخر الكتاب، إعداد أبو بكر نوح محمد وإشراف عبد الله أحمد مختار (رسالة ماجستير الجامعة الإسلامية).
يقول محمد عبد الرحمن بن السالك عن هذا الشرح: “ولما طالعته عرفت أنه واضع يده وعينيه على التوضيح في شرحه هذا” (عون المحتسب 74).
قال صاحب بوطليحية في نظمه:
بيان ما اعتمد من أقوال وكتب في سائر الأحوال
إلى أن قال:
واعتمدوا التهذيب للبرادعي وبالمدونة في البرى دعي
واعتمدوا ما نقل القلشاني على الرسالة بهذا الشان

وللبحث بقية…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. وعدم الإحكام هذا وإن كان خلاف الأصل فهو يحصل لبعض أهل العلم لأمور تعرض معلومة عند أهل الشأن وإلا فالعلماء “كرهوا إخراج التصنيف إلى الناس قبل تهذيبه وتحريره، وإعادة النظر فيه وتكريره” ألفية العراقي مع شرحها 2/250-251.
2. قال الإمام القرافي المالكي رحمه الله: “..الكتب المشهورة لشهرتها بعدت بعدا شديدا عن التحريف والتزوير، فاعتمد الناس عليها اعتمادا على ظاهر الحال. ولذلك أيضا أهملت رواية كتب النحو واللغة بالعنعنة عن العدول، بناء على بعدها عن التحريف، وإن كانت اللغة هي أساس الشرع في الكتاب والسنة، فإهمال ذلك في اللغة والنحو والتصريف قديما وحديثا، يعضد أهل العصر في إهمال ذلك في كتب الفقه بجامع بعد الجميع عن التحريف، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام 244.
3. وهذا التقرير يدل على أن قول من قال كما في الجامع للخطيب رحمه الله 1/277: (لا يضيء الكتاب حتى يظلم: يعني: بالحواشي) ليس على إطلاقه.
4. وانظر نور البصر للهلالي المالكي رحمه الله ملزمة 20 ص:7، وكذا معين الحكام للقاضي علاء الدين الطرابلسي ناقلا كلام ابن فرحون رحمه الله متعقبا كلام القرافي رحمه الله.
5. ومما ينظر فيه للتعرف أكثر على ذلك كتاب: “المذهب المالكي مدارسه ومؤلفاته، خصائصه وسماته” لمحمد المختار المامي، وكذا “نظم في المعتمد من الكتب والفتوى على مذهب المالكية” لمحمد النابغة بن عمر الغلاوي رحمه الله، ويعرف هذا النظم عند الباحثين باسم: بوطليحية أو الطليحية، ويقال والعلم عند الله أن هذا النظم سمي بذلك لأن الناظم نظمه تحت شجرة صغيرة من الطلح.
مع التنبه عند هذا المقام أن بعض الكتب المعتمدة في المذهب المالكي وإن كانت لا تزال مخطوطة فالتنصيص على اعتمادها بالنسبة للذي لم يطلع عليها هو باعتبار النقل عنها بالواسطة.
6. انظر مقدمة تحقيق نظم بوطليحية ليحيى بن البراء 33، مع التنبيه أن هذه الأبيات ليست في نظم بوطليحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *