مُفَاضَلَة بَيْنَ الأدبِ والدّعوة نور الجندلي

ظننت أنّي سأشكو لها دائي، ومخاوفي وأوجاعي، وسأضعها بين يديها لعلّها تبحثُ في علّتي، فتعثر لي على دواء، فقد تلمّست ميل القلب للقلم، وعشقه للأوراق والمحابر، وانكبابه عليها كاتباً بين قصّة ومقالٍ وخاطرة.. فشعرتُ بضآلة ما أكتبه أمام ما تقوله، وبتصاغر ما كنت أعظمه من أفكاري، أمام هدير شلال من الوعظ الرقيق الذي تأتي به فيلامسُ كلّ قلب.
طبيبة للروح هي، تغسلُ كلماتها جراح الروح فتبرأ، لديها منبرها الهادئ، وأسلوبها الداعي القويّ، وحجّتها الصائبة، ينطقها اللسان فيخترقُ قلوباً، ويزيّن مجلسها الإيمان فتخرج النساء منه بين باكية ومتأثّرة، ومعاتبة لنفسها، ناقمة عليها لمعصية أو ذنب، عازمة أن تقلع عنه فلا تعود، وكلّ ذلك فضلٌ من الله عليها ومنّة.
أتتني هذه المرّة تشكو بتواضعٍ عجز البيان، وإحجام اللغة في التعبير، وفاجأتني وهي تقول: هنيئاً لكم يا معشر الأدباء سيل مدادكم، هنيئاً لكم أوراقكم، محابركم، سموّ فكركم.
قضيتُ حياتي في الدعوة، فلم أوفّق إلى على عذب لغة تتقاطرُ شهداً كما تفعلون، وعمدتُ إلى بساطتي الفطرية المطلقة، فما استطعت تسلّق سلّم البيان الذي إليه تصعدون!
واهتزّ الوجدانُ لمقولها، ودمعت العينُ حزناً، وقلتُ لها: لا يغرّنك البيانُ وسحره، فإنه سلاح ذو حدّين وكم قتّل البيان أناساً، وكم أودى بهم إلى ضلال، سحروا بأقلامهم عقول الناس واستلبوا قلوبهم، فأوردوهم إلى جهنم وهم يظنون أنهم أتباع الحق وسادة الفكر والفهم.
ثم انظري إلى الأدب وتاريخه، والأدباء وإبداعاتهم، وأروع ما وصلوا إليه حتى يومنا هذا..
ستجدينهم بكل مواهبهم وإبداعاتهم وقدراتهم مساكين جداً..
أجل.. إنهم حقاً مساكين أمام آية كريمة تبكي القلوب من رغبة أو رهبة، فتخرّ ساجدة خشية لله.
أو حديث شريف لنبي أعطاه الله مجامع الكلم وروعة البيان فكانت كلماته مشاعل نور للأمة تقتدي بها إلى يوم الدين.
من قال أنكِ لستِ أديبة؟ وأنت ترسمين معالم الحياة المشرقة عبر آية، أو حديث أو موعظة حسنة!
ومن قال أنكِ لستِ أديبة في التأثير، وهاهي القلوب بفضل الله تستجيب!
ومن قال بأنكِ لست أديبة، وأنتِ ترسمين في الأمة معالم حضارة وهدى ونور..!
ابتسمت وقالت:
مادامت توحدت أهدافنا فلتكن توأمة في الفكر والتوجه، وليكن بيننا الأديب الداعية، والداعية الأديب.
ولنسأل الله الإخلاص والقبول.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *