اللغة العربية في معركة التغريب والتبعية الثقافية

كان من رأي الاحتلال في العالم العربي أن القضاء على مقومات الشخصية العربية هي وسيلته للبقاء والاستمرار في السيطرة على مقدرات البلاد، وكانت اللغة العربية في مقدمة عوامل الوحدة والتجمع والالتقاء بين العرب ولذلك ركز غزوه الثقافي عليها محاولة للقضاء عليها.
ولقد كان هدف الاحتلال أن تصير اللغة العربية إلى ما صارت إليه اللغة اللاتينية، لغة متحف تدرس على الآثار والتحف، وأن تصبح اللهجات المحلية في أقطار العالم العربي لغات مستقلة لها أدبها وثقافتها وبذلك تتعدد اللغات ويقضى على اللغة العربية. ويقضى على القرآن الكريم والتراث العربي الإسلامي الضخم الذي اشترك في إبداعه مئات العلماء والكتاب والأدباء منذ بزوغ فجر الإسلام حتى اليوم.
ولقد جند الاحتلال قواه لهذه الغاية وحرص عليها ورسم لها خططا بعيدة المدى، وقامت في الأقطار المحتلة منظمات لهذا الغرض ليس لها مهمة غير توجيه الحملات إلى اللغة العربية واتهامها بالقصور وعدم الكفاية العلمية، أو ارتفاع مستواها عن مفاهيم المجموعات العامة، أو اتهام حروفها ونطقها وكتابتها بالصعوبة والتعقيد. وكانت هذه الاتهامات مقدمة للنقاد إلى الدعوة إلى اللغة العامية أو استخدام الحروف اللاتينية وتحطيم عمود الشعر.
ولقد واجه الشمال الإفريقي عملا أشد عنفا فقد قضى على اللغة العربية نهائيا في المدارس الرسمية ولم يبق إلا في الكتاتيب وحلقات المساجد والمدارس الأهلية وجامعتي الزيتونة والقرويين.
وكان هذا أعنف إجراء في القضاء على اللغة العربية وإحلال لغة المحتل مكانها.
أما في المشرق العربي فقد توالت الحملة في صورة دعوات متوالية استمرت وتوالت وتعددت واحدة بعد أخرى يحمل لواءها في أول الأمر غربيون مقيمون ثم وطنيون مستغربون.
وكان من هؤلاء “وليم ويكوكس” المهندس الذي دعا إلى العامية وحاول ترجمة الإنجيل إليها، والقاضي “ويلمور” الذي دعا إلى العامية مع كتابتها بالحروف اللاتينية ثم ظهر على الأثر “لطفي السيد” يحاول في عبارات ساحرة أن يحمل نفس اللواء على نحو خادع عنوانه تقريب اللغة العامية إلى العربية وتحسين عباراتها وتمصير اللغة العربية وجرى ما أطلق عليه اسم «أزمة» اللغة العربية وحمل الدعوة إليها فريق المعتدلين، غير أن سلامة موسى وأمين الخولي ومحمود تيمور ـوقد عاد عن هذه الدعوة بعدـ وعبد العزيز فهمي وجورجي صبحي في مصر كل هؤلاء حملوا لواء هذه الدعوة.
كما حملها في لبنان كثيرون في مقدمتهم الخوري مارون غصن وآخرون غيرهم من بينهم سعيد عقل في الفترة الأخيرة، وهكذا عاش العالم العربي في خلال فترة ستين عاما في صراع بين دعوة تريد أن تحطم اللغة العربية لتقضي عليها وبين مقاومة لها شقان: يدافع عن عظمة اللغة العربية، وشق يصلح هذه اللغة ويبحث في عناصر التعريب والنحت والاشتقاق لتمكين اللغة من استقبال المصطلحات العلمية الجديدة، حتى الشعر كان له دور في الدفاع عن اللغة فقد أنشد حافظ قصيدته المعروفة1.
وقد أعان أنصار اللغة العربية في القضاء على دعوى العامية عوامل كثيرة، منها أن اللغة العربية واجهت في العصر العباسي مثل ما تواجهه اليوم عندما ترجمت إليها مؤلفات الرومان واليونان، فقد استطاعت أن تستقبل عشرات ومئات من المصطلحات دون أن يعجزها ذلك، وأن عشرات من أعلام الغرب الذين درسوا اللغة العربية قد اعترفوا بعظمة هذه اللغة وكمالها وقدرتها القادرة على تقبل كل تطور والاستجابة لكل عصر.
وكان من عوامل ضعف الدعاة إلى العامية أنهم لم يستطيعوا أن يكتبوا بها أو أن يحققوا نموذجا صالحا لما يدعون إليه، وقد حاول لطفي السيد في الماضي وطه حسين في القريب الكتابة بالطريقة القديمة جدا التي تدمج الشكل في الكلمات، غير أن هذه الدعوة قد لقيت السخرية والامتهان كما لقيت دعوة الكتابة بالحروف اللاتينية التي دعا إليها عبد العزيز فهمي وكان قد سبقه إلى الدعوة إليها كثيرون.
وشارك المغرب العربي في هذه المعركة حين دعا المستشرق ماسنيون إلى العامية والكتابة بالحروف اللاتينية عام 1928 في أندية الشباب العربي في باريس ولقي معارضة كبيرة، كما وجد المستشرق كولون ردا عنيفا على دعوته من الكاتب العربي المغربي عبد الله كنون.
وقد حملت معركة الهجوم على اللغة العربية روح التعصب والغرض والهوى، ولم تكن خالصة صادقة، وقد واجهتها مقاومة علمية صارمة قائمة على أساس من التفكير العلمي الخالص، ومن أهم أسسها:
ـ إن الفرق بين لغة الكتابة ولغة التكلم عندنا ليس بالشيء الكبير، وقد لا يكون أكثر من الفرق بين لغة كتاب الإنجليز ولغة عامتهم.
ـ إن الناطقين باللغة العربية تختلف لغتهم العامة باختلاف الأصقاع، والفرق بين لغة مصر والشام ليس بأقل من الفرق بين الفصحى والعامية، فاستبدال العامية بالفصحى يحرم كل قطر من الانتفاع بإنتاج القطر الآخر.
ـ إن إغفال الفصحى يستوجب إغفال كل ما كتب عنها من العلوم منذ ألف وأربعمائة عام وهي خسارة لا حد لها.
ـ الوحدة بين أجزاء العالم العربي قائمة بالمحافظة على اللغة الفصحى، إذ لولا القرآن لتشتت شمل الشعب العربي.
ـ إن اللغة العامية منحطة لانحطاط عقول الناطقين بها ولا تقوم مقام الفصحى في اللغة العربية التي هي بشهادة المنصفين أرقى لغات العالم.
وقد كشف المنصفون عن عظمة اللغة العربية واتساعها وكثرة ألفاظها وتعدد معانيها وقد أمكن حصر مائة ألف مادة من كلامها مما لا يمكن معه وصفها بالقصور، كما أشاروا إلى اتساع مجالها لأغراض الكتابة وفنون البلاغة من أطناب وإيجاز وتصريح وتلميح واستعارة.
وإنها قد خاضت معركة الترجمة من اليونانية والهندية إبان العصر العباسي حيث استطاعت أن تستوعب كتب الطب، والحكمة، والحيوان، والنبات، والكمياء، والحيل، والرياضيات، والفلك، مما لا يقع تحت حصر، ولم يستعص عليها أي مصطلح.
وشهد للغة العربية كبار مفكري الغرب ـحتى من بلغوا غاية التعصب ضد الإسلام والعرب-، مثل «أرنست رينان» الذي سجل في كتابه (تاريخ اللغات السامية) أن اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وإن هذا عنده من أغرب ما وقع في تاريخ البشر وصعب حله، وإنها سلسلة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، إذ ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم بالعربية ليفهمها النصارى.
وقال “شبنجلر” في كتابه، انهيار الغرب: إن اللغة العربية لعبت دورا أساسيا كوسيلة لنشر المعارف وآلة للتفكير في خلال المرحلة التاريخية التي بدأت حين احتكر العرب على حساب الرومان واليونان طريق الهند.
وقال “فريتاغ” الألماني أن اللغة العربية ليست أغنى لغات العالم فحسب، بل إن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتي عليهم العد، وإن اختلافنا عنهم في الزمان والسجايا والأخلاق أقام بيننا ونحن الغرباء عن العربية وبين ما ألفوه حجابا لا يتبين ما وراءه إلا بصعوبة…
وقال “وليم ورل”: إن اللغة العربية لم تتقهقر قط فيما مضى أمام أي لغة من اللغات التي احتكت بها وإنها ستحافظ على كيانها في المستقبل كما فعلت في الماضي، وأن لها لينا ومرونة يمكنانها من التكيف وفقا لمقتضيات العصر، وأن اللغات الأوروبية في خلال 250 سنة لم تستطع السيطرة على العربية أو إضعاف مكانها.
وقال “ماجليوث” أن اللغة العربية لا تزال حية حياة حقيقية، وأنها إحدى ثلاث لغات استولت على سكان المعمورة استيلاء لم يحصل عليه غيرها “الإنجليزية والإسبانية” وهي تخالف أختيها بأن زمان حدوتهما معروف ولا يزيد سنهما على قرون معدودة، أما اللغة العربية فابتداؤها أقدم من كل تاريخ.
ولعل خير ما نختم به ما سجله الخليل بن أحمد في كتاب (العين) من أن عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل (412.305.12) كلمة (إثنى عشر مليونا من الأبنية وثلاثمائة ألف) وأن عدد الألفاظ العربية (400.699.6) لفظا (ستة ملايين وستمائة وتسعة وتسعين ألفا) ولا يستعمل منها إلا 5620 لفظا والباقي مهمل.
مقال لأنور الجندي دعوة الحق العدد الثالث السنة السادسة رجب 1382- ديسمبر 1962
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1: هذه القصيدة هي: دفاع عن اللغة العربية التي مطلعها:
رجعـتُ لنفسي فاتهمت حَصاتي *** وناديت قـــومي فاحتسبت حياتي
التي يدافع فيه حافظ إبراهيم عن اللغة العربية ويحذر ألها من مشاركة الغرب في وأدها، كما قال في ثنايا هذه القصيدة رحمه الله:
أيطربكم مـن جانب الغـرب ناعــب *** ينادي بوأدي فـي ربيـــع حياتـي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *