تنوير الحوالك ببيان أصول مذهب مالك -الحلقة الثامنة- رشيد مومن الإدريسي

من أدلة مذهب مالك رحمه الله ما يسمى بتنبيه الخطاب أو دلالة الإيماء من كتاب الله تعالى وسنة النبي عليه الصلاة والسلام كما قال أبو كف أحمد المحجوبي الشنقيطي في نظمه:

ثمت تنبيه كتاب الله ثم *** تنبيه سنة الذي جاها عظم
ودلاله الإيماء من قبيل دلالة اللزوم1 وهي مسلك من مسالك العلة عند الأصوليين ولذلك قيل في تعريفها: “ما يدل عليه الوصف بقرينة من القرائن”، أو يقال: “اقتران الوصف أو نظيره بالحكم، لو لم يكن الوصف أو نظيره للتعليل، لكان ذلك الاقتران بعيدا من فصاحة الكلام، ومعيبا عند العقلاء، ولكان حشوا في الكلام لا فائدة منه وذلك ما تنزه عنه ألفاظ الكتاب والسنة، فيحمل على التعليل دفعا للاستبعاد” انظر إيصال السالك في أصول مالك 39، و ومنار السالك للرجراجي 17 في آخرين.
قال صاحب المراقي:
دلالة الايماء والتنبيه *** في فن تقصد لدى ذويه
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن *** لغير علة يعبه من فطن
وقال صاحب التحفة المرضية في نظم المسائل الأصولية:
ثالثها الإيماء والتنبيه *** وهو اقتران الحكم يا نبيه
بالوصف لو لم يك للتعليل *** لبعدت فصاحة التنزيل
وليعلم أن دلالة الإيماء على العلة غير صريح ولكنها تشير إلى العلة وتنبه عليها وذلك بأن توجد قرينة تدل على العلة مع اختلاف بين علماء الأصول في كونها من المنطوق غير الصريح2 أو أنها تعد من المفهوم3
وقد أشار إلى هذا الخلاف صاحب المراقي في قوله:
وفي كلام الوحي والمنطوق هل *** ما ليس بالصريح فيه قد دخل
وهو دلالة اقتضاء أن يدل *** لفظ على ما دونه لا يستقل
دلالة اللزوم مثل ذات *** إشارة كذاك الإيماآت
ومن أمثلة دلالة الإيماء من الكتاب قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيدهما) فاقتران الأمر بالقطع مع وصف السرقة يدل على أن السرقة هي علة القطع شرعا، إذ لو لم تكن علة له لكان الكلام غير فصيح، وهو معنى قول علماء الأصول في قواعدهم: “إن تعليق الحكم على المشتق يؤذن بعِلِّيَّةِ ما اشتق منه” انظر حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع 4/6.
ومن السنة قوله عليه الصلاة والسلام: “لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها” متفق عليه، فلولا أن فعلهم ذلك سبب لعنتهم وعلته لم يكن للإخبار عن فعلهم بالدعاء عليهم فائدة، فاقتران هذا الأخير بوصف كونهم باعوا وأكلوا ثمن ما حرم عليهم يدل باللزوم أنه العلة.
ولدلالة الإيماء والتنبيه مراتب وأنواع على خلاف بين أهل العلم في عدد ذلك لكونه راجع إلى القسمة العقلية؛ وما دمنا نقرر أصول مذهب مالك رحمه الله فلنختر ما ذكره التلمساني المالكي رحمه الله في مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول ص:692 فما بعدها وهي كالآتي:
المرتبة الأولى: أن يذكر عليه الصلاة والسلام مع الحكم وصفا يبعد أن يأتي به لغير التعليل؛ كقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح في خصوص الهرة: “إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات”، فلو لم يكن التطواف علة لنفي النجاسة لم يكن لذكره مع هذا الحكم فائدة لأنه قد علم أنها من الطوافات.
المرتبة الثانية: وهي الاستنطاق بوصف يعلمه خاليا من التنازع ليرتب عليه الجواب، ولو لم يكن للتعليل لكان استنطاقه عن وصف يعلمه خاليا عن الفائدة، ومثاله لما سألت الخثعمية النبي عليه الصلاة والسلام؛ فقالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج، أفأحج عنه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: “أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه؟” قالت: نعم. قال: “فدين الله أحق أن يقضى” متفق عليه.
المرتبة الثالثة: أن يذكر النبي عليه الصلاة والسلام حكما عقب علمه بواقعة حدثت فيعلم أن تلك الواقعة سبب ذلك الحكم، كما في الحديث أن أعربيا قال: يا رسول الله هلكت وأهلكت؛ واقعت أهلي في نهار رمضان. فقال: “اعتق رقبة..” متفق عليه، فكأنه قال: إذا واقعت فكفر.
المرتبة الرابعة: أن ينقل الراوي فعلا صدر منه عليه الصلاة والسلام أو من غيره فيرتب عليه حكما منه عليه الصلاة والسلام، فإنه يفيد تعليل ذلك الحكم بذلك الفعل كقول الراوي: “سها رسول الله عليه الصلاة والسلام فسجد” متفق عليه، فإن هذا يشعر بأن السهو علة السجود .
وقد نظم هذه المراتب محمد بن عبد الله بن الإمام في نظمه لمفتاح الوصول فقال:
إن يذكر الوصف مع الحكم ولا *** داعي للذكر سوى أن عللا
ومنه الاستنطاق أن يسأل عن *** وصف ليذكر به الحكم اقترن
وذكره للحكم إثر واقعه *** كمثل ما وقع في المواقعة
ومنه ذكر الراوي فعلا صدرا *** من الرسول المصطفى خير الورى
أو غيره ثم يرتب عليه *** حكما من الرسول أو بين يديه

وللبحث بقية..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. ودلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على لازم مسماه كدلالة السقف على الجدار كما قال ابن جزي المالكي رحمه الله في تقريب الوصول إلى علم الوصول 53.
2. كما ذهب إليه السبكي رحمه الله في جمع الجوامع.
3. كما رجحه العلامة الشنقيطي رحمه الله في المذكرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *