تنوير الحوالك ببيان أصول مذهب مالك الحلقة الخامسة عشرة الاستحسان

من أدلة الإمام مالك رحمه الله وأصوله التي يحتج بها في الشرعيات ما يعرف بالاستحسان.

..لا شك أن القول في دين الله بمجرد الرأي الذي يستحسنه المرء بعيدا عن الضوابط الشرعية، والنصوص من الكتاب والسنة النبوية سبيل مرفوض، ولا يمكن أن يقبله أحد من علماء الشريعة لا مالك رحمه الله ولا غيره، ذلك أن هذا النهج هو اتباع للهوى وهذا الأخير مذموم في الشرعة كما لا يخفى وإليه يتوجه الإنكار كما في قول الإمام الشافعي رحمه الله: “من استحسن فقد شرع”.
قال مالك رحمه الله: “تسعة أعشار العلم في الاستحسان” أنوار البروق في أنواع الفروق 7/382، والاعتصام 390 في آخرين.
وهو في اللغة مشتق من الحسن، ومعناه ما يميل إليه الإنسان ويهواه من الصور والمعاني، وإن كان مستقبحا عند غيره.
أما في الاصطلاح الفقهي عند المالكية فقد وقع فيه خُلف؛ وفي ذلك قال أبو كف أحمد المحجوبي الشنقيطي في نظمه:
وقول صحبه والاستحسان *** وهو اقتفاء ما له رجحان
وقيل بل هو دليل ينقدح *** في نفس من بالاجتهاد متصف
ولكن التعبير عنه يقصر *** عنه فلا يعلم كيف يخبر
ولإيضاح حقيقة ذلك وتجليته نقول: لا شك أن القول في دين الله بمجرد الرأي الذي يستحسنه المرء بعيدا عن الضوابط الشرعية، والنصوص من الكتاب والسنة النبوية سبيل مرفوض، ولا يمكن أن يقبله أحد من علماء الشريعة لا مالك رحمه الله ولا غيره، ذلك أن هذا النهج هو اتباع للهوى وهذا الأخير مذموم في الشرعة كما لا يخفى وإليه يتوجه الإنكار كما في قول الإمام الشافعي رحمه الله: “من استحسن فقد شرع”1.
أما الاستحسان بمعنى الأخذ بأحسن ما يظهر للمجتهد من النصوص، أو بأحسن ما يظهر له من القياس على النصوص عند فقدان المجتهد للنصوص الخاصة، فهذا لا يماري فيه أحد من أهل النظر والعلم، وهذا هو المقصود في نظم أبي كف كما سبق حيث قال: “وهو اقتفاء ما له رجحان”، وهو المراد عند الإمام مالك رحمه الله.
قال الإمام الشاطبي المالكي رحمه الله: “الاستحسان في مذهب مالك: الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلي، ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس، فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة” الموافقات 5/193-194.
وقال ابن العربي المالكي رحمه الله: “الاستحسان ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارضه في مقتضاه” الموافقات 5/197.
وعرفه ابن رشد المالكي رحمه الله فقال: “الاستحسان -الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس- هو أن يكون طرحا لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع”.
قال عقبه الشاطبي رحمه الله: “وإذا كان هذا معناه عند مالك وأبي حنيفة فليس بخارج عن الأدلة ألبتة، لأن الأدلة يقيد بعضها، ويخصص بعضها، كما في الأدلة السنية مع القرآنية، ولا يرد الشافعي مثل هذا أصلا، فلا حجة في تسميته استحسانا لمبتدع على حال” الاعتصام 2/139.
قال ابن عاصم المالكي رحمه الله في المرتقى 734 مع شرحه:
وبعضهم ينسب للنعمان *** على الخصوص نوع استحسان
ومالك ليس له بمانع *** وقد رووا إنكاره للشافعي
وإنما الظاهر فيه أن يُرى *** بمقتضى تفسيره معتبرا
ومرتضى حدوده المرويه *** الأخذ بالمصلحة الجزئيه
بما يقابل القياس الكلي *** لأنه من مستحسنات العقل
ومن تم فأنواع الاستحسان في المذهب المالكي على ما سبق من تعريف عند المحققين محصورة في الأمور الآتية كما بينه ابن العربي المعافري المالكي رحمه الله حيث قال في خصوصها: “وقد تتبعناها في مذهبنا، وألفيناها أيضا منقسمة أقساما:
فمنه ترك الدليل للعرف.
ومنه ترك الدليل للمصلحة
ومنه ترك الدليل لإجماع أهل المدينة.
ومنه ترك الدليل في اليسر لرفع المشقة، وإيثار التوسعة على الخلق”2.
فإذا كان الاستحسان -إذن- هو ترجيح أحد الدليلين المتعارضين فيما يتراءى للمجتهد أول النظر وما يرجع إلى ذلك، فلا خلاف بين أهل العلم في ذلك تقعيدا وتأصيلا.
وهو بهذا المعنى شاهد على دقة أنظار علماء الشريعة، كما يظهر أن الاختلاف بين من أثبت الاستحسان على ما سلف ذكره، وبين من أنكره خلاف مختلف الاتجاه متباين المحال حيث كل من الطائفتين تتكلم عن شيء متصور عندها يختلف عن الأخرى.
قال علال الفاسي رحمه الله: “والحقيقة أن الشافعية نظروا إلى الاستحسان كأنه رأي محض لا يستند لدليل فأنكروه، ونظر إليه الآخرون على أنه رأي ناتج عن المقارنة بين الأدلة، وترجيح بعضها على الآخر فقبلوه، وإذن فالخلاف في غير موضوع، ولذلك قال الشاطبي: (إن الخلاف يرجع إلى الإطلاقات اللفظية ولا حاصل له)” مقاصد الشريعة 134.
وقد لخص ذلك الإمام ابن جزي المالكي رحمه الله فقال في معرض الكلام عن الاستحسان: “ثم اختلف الناس في معناه، فقال الباجي: (هو القول بأقوى الدليلين) وعلى هذا يكون حجة إجماعا. وقيل: هو الحكم بغير دليل، وعلى هذا يكون حراما إجماعا، لأنه اتباع للهوى، وقيل: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه. وأشبه الأقوال أنه ما يستحسنه المجتهد بعقله” تقريب الوصول إلى علم الأصول 147- تحقيق الدكتور فركوس.
والمتأمل فيما مرّ يظهر له أن هناك دليلا معدولا عنه في الاستحسان، ودليلا معدولا إليه، والدليل المعدول عنه قد يكون قياسا، وقد يكون قاعدة، ويكون نصا عاما، والمعدول إليه، قد يكون قياسا أو حديثا، أو إجماعا، أو عرفا.
كما يتضح أن الاستحسان الاصطلاحي ليس ببعيد عن الاستحسان اللغوي ولذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في حق الاستحسان: “إنه اختيار الأحسن، وإنما يكون في شيئين حسنين، وإنما يوصف القول بالحسن إذا جاز العمل به ولم يعارض” المسودة لآل تيمية 454.
قال صاحب المراقي 423 – مع مدارج الصعود :
والأخذ بالذي له رجحان *** من الأدلة هو الاستحسان
أو هو تخصيص بعرف ما يعم *** ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم3.
وهكذا يتبين أن الاستحسان في مذهب مالك رحمه الله مبني على قواعد معتبرة شرعا.

وللبحث بقية..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. المستصفى 1/241، والمنخول 374، والإحكام للآمدي رحمه الله 3/200، وحاشية العطار 2/95، في آخرين.
وقال الإمام الشافعي أيضا رحمه الله: “حلال الله وحرامه أولى أن لا يقال فيهما بالتعسف والاستحسان، وإنما الاستحسان تلذذ” الرسالة 705.
وقد عقد رحمه الله في كتابه (الأم) فصلا طويلا بعنوان: “كتاب إبطال الاستحسان”.
ومن الذين ذهبوا إلى إنكاره مطلقا ابن حزم الظاهري رحمه الله، وقد عقد في كتابه الإحكام فصلا للتدليل على بطلانه ومناقشة القائلين به، وأنكره من الحنفية أحمد بن محمد الطحاوي رحمه الله، وتوسع فيه أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه. راجع الإحكام لابن حزم رحمه الله 2/757-758 و 7/75، وكذا كتاب الموافقات 4/137.
2. المحصول في علم الأصول 3/278، وانظر في خصوص القسم الأول كتاب أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي ص: 417 الحاشية.
وهذه الأقسام على ما بينه ابن العربي رحمه الله لا تعني بحال الإطاحة بالأدلة الشرعية وعدم تعظيمها، وإنما تركها في باب الاستحسان له مجالاته الشرعية المنضبطة وتصوره الخاص وخلاصة ذلك: إيثار ترك ما يقتضيه الدليل على طريق الاستثناء والرخص بمعارضة ما يعارضه في بعض مقتضياته.
3. تعريف الاستحسان عند بعض المالكية بأنه تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة (وهو المراد في قول صاحب المراقي: أو هو تخصيص بعرف ما يعم)، أو تعريفه عندهم بأنه استعمال مصلحة جزئية (وهو المقصود بقول صاحب المراقي : ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم) لا يخرج عن التعريف الأول عند النظر والتأمل وهو: الأخذ بأقوى الدليين ( وهو المنصوص عليه في البيت الأول في كلام صاحب المراقي) فتنبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *