محارب الفساد.. قرار جاد أم نزوة نظام؟!  (ع.إ)

من الغرابة أن يصدق عقلنا خسارة مرشح لملايين الدراهم في الاستحقاقات الانتخابية باسم شعارات الدفاع عن حقوق المواطنين بعد وصوله للمسؤولية أو خدمة للوطن. الحقيقة التي ننساها في كل مرة هي وصول هؤلاء للمسؤولية لمباشرة “خِدمة” المواطنين بمدلول هذا المصطلح في العامية المغربية.

هؤلاء يحميهم البرلمان والمنصب الوزاري والمال الواسع المتحصل من كل أنواع التهريب وأنواع الحرام والممنوع والمهلك لصحة الناس وجيوبهم. ويصلون بطرقهم المجرمة قانونا لاقتناص الفرص قبل إخراج القرارات من المجالس الحكومية والشركات العمومية وشبه العمومية والمجالس الجماعية وغيرها. وقبل الانتخابات لا تهتم الأحزاب باستقامة المرشحين التي لا تخفى على أحد، وإنما الذي يؤرقها مدى قدرة المرشح على كسب مقعد في البرلمان. وقد تخصصت بعض هذه الأحزاب في منح التزكية للفاسدين حصرا. وملفات ومحاضر قضايا الفساد السياسي المثارة أمام الرأي العام تفصل وتوضح لكل ذي عقل راجح واقعنا بكل أسف.

أمام تغول وتشعب ظاهرة الفساد في بنيات وهياكل الدولة آن الأوان أن نفهم السبل لمحاربتها بكل عزم، سواء من قبل الدولة ذاتها أو المجتمع، خاصة أن لهذه الظاهرة تاريخ طويل، وهي التي كانت السبب في دخول الاستعمار إلى المغرب بعدما تفشت الأخيرة في نخب المجتمع والدولة والتجارة والسياسة.

ولكن معقولية شعار محاربة الفساد في المغرب رهينة بمدى تظافر جهود كل السياسات العمومية وكل الفاعلين سواء الرسميين أو غير الرسميين، إذ يبقى مجهود الدولة أكثر فعالية في هذا المجال لكن دون إغفال دور الأسرة والمجتمع والإعلام والتعليم والجمعيات والأحزاب.

على الرغم من إطلاق المملكة للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد منذ سنة 2015 فإنها بقيت عاجزة عن تحقيق الأهداف المتوخاة منها، إذ كشف التقييم الذي قامت به الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة أن هذه الاستراتيجية “يشوبها قصور يحول دون تمكّنها من تحقيق الأثر المنتظر منها، وتغيير منحنى تطور الفساد بالمغرب”. وقد تجلى ذلك في الضعف الملحوظ في عدد قضايا الفساد المعروضة على القضاء.

لكن يبدو أن هذا الأمر بدأ يتغير بشكل ملفت في الثلاث سنوات الأخيرة وبالأخص في سنة  2023، إذ تم تحريك متابعات قضائية أمام محاكم جرائم الأموال في حق عدد كبير من رؤساء الجماعات، من ضمنهم برلمانيون. وهو مؤشر على أن هناك إرادة سياسية جديدة في التعامل مع ملفات الفساد السياسي الشيء الذي اعتبرته جمعيات حماية المال العام خطوة إيجابية في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتتحمل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية مسؤولية تاريخية في مكافحة الفساد بجميع أشكاله على اعتبار أنها تمثل السلطة الرابعة في المجتمع بعد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبالتالي فهي تشكل سلطة شعبية تعبر عن ضمير المجتمع وتحافظ على مصالحه الوطنية.

وإذا كانت البطالة والتضخم وانخفاض متوسط دخل الفرد والتلاعب بالأسعار الخاصة بالسلع الاستهلاكية تعبر في بعض الأحيان بشكل أو بآخر عن البعد الاقتصادي لظاهرة الفساد من حيث أن معظم الأسباب المؤدية إلى هذه المشاكل تكون وفق تخطيط اقتصادي يستفيد منه بعض الأفراد، إلا أن الإعلام يجب أن يوضح للناس الفرق بين الأسباب المرتبطة بالتطور الاقتصادي والأسباب المرتبطة بالفساد الاقتصادي، كما أنه في المقابل عليها أن لا تهمل الأنواع الأخرى للفساد ومنها الفساد السياسي والاجتماعي والإعلامي.

أما التعليم فهو الذي يساهم بشكل كبير في بناء المجتمعات القوية التي تحترم معايير الأخلاق وتخليق الحياة العامة باستمرار. إذ يعتبر التعليم أساسًا لخلق مناعة ضد الفساد والآفات الضارة بالمجتمع. أما دور الأسرة باعتبارها الإطار الأول الذي ينشأ فيه الفرد وينمو، لا يمكن الاستغناء عنه في محاربة الفساد وعدم التطبيع مع مظاهره.

لقد اجتمعت الأبحاث التي قام بها علماء الاجتماع على أن سلوك الأسرة يؤثر أكبر التأثير في نفسية الطفل ويطبعها إلى الأبد وربما يحدد مصيره في أغلب الأحيان حتى أن الأعمال الإجرامية أو الجنسية كثيرا ما يرجع أصلها إلى التربية الأولى.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *