نظرات في أخلاقنا إلياس العثماني

بادئ ذي بدء أود التذكير بمسألتين قبل الشروع في المقصود، الأولى وهي قاسم مشترك بين جل الملتزمين أعني بذلك اللحية، التي نسأل الله عز وجل أن يكثر أصحابها و يحفظهم من كل سوء، فهم شوكة في أعين العلمانيين المستغربين الحاقدين على الإسلام عامة وعلى أصحاب اللحى بصفة خاصة.
ومادام الأمر كذلك فنحن لا نريد من الشباب الملتزمين أن يحصروا الإسلام في اللحية فقط، بل ينبغي عليهم أن يمثلوا الإسلام خير تمثيل حتى لا ندع لأولئك الأقزام من العلمانيين أي فرصة للنيل من شريعتنا.
أما الأخرى فهي إجماع العلماء على أن حلق اللحية حرام وإعفاؤها واجب، ولم يخالف في ذلك إلا من إذا دخل في الإجماع لم ينعقد به، والأحاديث في ذلك كثيرة أذكر منها واحدا، قال صلى الله عليه وسلم: “احفوا الشوارب واعفوا اللحى”، وسبب ذكري لهاتين المسألين هو أن لا أدع أحدا يتهمني- بعد أن يقرأ المقال- أني أهون من شأن اللحية أو أستهزئ بأصحابها، حاشا لله أن أعتقد هذا، فأنا واحد منهم.
ولكن أصحاب اللحي ليسوا سواء، فمنهم :
من يرخي لحيته ولا يعتقد أصلا وجوبها ولا أنها من الدين، ولكنه ربما عفا عنها لعدم قدرته على حلقها، فتجده ملتح ويدخن ويشرب الخمر-وربما يتاجر فيهما- ويسرق ويزني ويفعل من المخالفات ما الله به عليم..ومع ذلك ترى العلمانيين في جرائدهم يحسبونه على الملتزمين بشرع الله ويدينونهم بسلوكياته المنحرفة.
ومنهم من إذا رأيته حسبته يعتبر الأسنان عورة؛ بمعنى أن الابتسامة لا تعرف لفمه طريقا، فتجده دائما في عبوس وتقطيب، إذا رآه الناس استعاذوا بالله منه، وهو يحسب أنه على صواب، ونسي قول النبي صلى الله عليه وسلم: “تبسمك في وجه أخيك صدقة”.
ومنهم من رفع لواء “القدح والتعيير” بدل “الجرح والتعديل”، فأعراض العلماء والدعاة من ألسنتهم في هم ونصب، قد تتبعوا زلات العلماء، وآخذوهم بالخطأ والخطأين، مع ما في ذلك من الكذب والتلفيق، والنبز بالألقاب. إلا أن هؤلاء شرذمة قليلون وإنهم في تناقص يوما بعد يوم..
ومنهم من يعتبر أن اللحية هي كل الدين، وأنه متى أرخى لحيته فقد أصبح من أولياء الله الصالحين، وإن لم يصدر منه عمل صالح، لا بل ينبغي الدخول في الإسلام كافة كما قال تعالى، وعدم الأخذ ببعض فرائضه دون بعض…
ومنهم من قد ضاق عطنه بمسائل الاجتهاد التي اختلف فيها العلماء فتجده يعرف في مسألة ما قولا واحدا فيتمسك به ويعض عليه بالنواجذ وربما عادى عليه ووالى عليه، وربما كان اختياره مرجوحا والصواب في غيره، مع ذلك تجده يبدِّع غيره ويفسقه بحجة أنه خالفه في رأيه ولو أنه طالع كتب العلماء في الخلاف لألزم نفسه طول الصمت لما يراه من الأمور التي أدت إلى الاختلاف بين العلماء ومع ذلك بقيت الرحمة والمودة بينهم…
ومنهم من أحرز أعلى الشهادات في الغيبة والوقيعة في أعراض الناس، وتجد عندهم غيبة من نوع خاص، وهي أنه إذا ذكر لهم بعض الناس-ربما كانوا دعاة أو علماء أو عوام- أول ما يسألوا عنه هو: هل “عنده لحية أم لا”؟ فإن كان الجواب بنعم أثنوا عليه ورفعوا قدره، وإن لم يكن كذلك؛ وإن كان الجواب بلا، سخروا منه وبخسوه ونقصوا من قدره. أهذه هي أخلاق الإسلام، كلا وربي. فرب رجل حليق اللحية له من الصيام والقيام وطيب الأخلاق ما يفوق به كثيرا من الملتحين، ولكن الناس أغرتهم المظاهر فبنوا عليها أحكام السرائر..
ومنهم الصفوة المختارة الذين جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق الحسنة الحميدة، فهم أعرف الناس بالحق وأرفقهم بالخلق ركبوا سفينة السنة واتبعوها شبرا بشبر وذراعا بذراع، فحازوا أعلى المقامات وأسمى الدرجات متشبهين بسيد الخلق وأشرف السادات عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
ومنهم ومنهم ومنهم..
وكل ما قلته آنفا لم أفتري فيه على أحد ولم أقصد الاستهزاء والتشفي بأحد، كما أنه لا يصل إلى مستوى الظاهرة ولا يمثل إلا الانفلات الذي فرضه واقع التربية في البيت والمدرسة والمجتمع ككل، ولكن مع ذلك يبقى واقعا وجبت معالجته، والتنبيه على خطره حتى يقوم علمائنا وطلبة العلم فينا بواجب التقويم والنصح، فنسأل الله أن يوفقنا لامتثال تعاليم الإسلام برمتها علما وعملا ومعاملة وأخلاقا. أسوتنا في ذلك سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وأخيرا “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ”.
والحمد لله رب العالمين.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *