خطوات الاستدلال بالدليل عند أهل السنة والحديث “مراعاة طرق استنباط الأحكام الشرعية” (التتمة..) -الحلقة الثامنة عشرة- “المجمل والمبين” رشيد مومن الإدريسي

من طرائق استنباط الأحكام الشرعية التي يجب مراعاة مسلكها ضبط أمر المجمل والمبين، وعليه:

فقد عرف المجمل اصطلاحا بأنه: “ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجح لواحد منهما أو منها على غيره”1.
مثاله: قوله تعالى: (والليل إذا عسعس) فإن الفعل “عسعس” مشترك بين معنيين وهما “الإقبال” و”الإدبار”.
ولذا فحكمه: التوقف فيه حتى يتبين المراد منه، فلا يجوز العمل بأحد احتمالاته إلا بدليل خارجي صحيح فهو محتاج إلى البيان2.
وليعلم أن المجمل أنواع 3:
– نوع يحتاج إلى غيره في بيان صفته: كقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) فإن كيفية إقامة الصلاة مجهولة تحتاج إلى بيان.
– ونوع يحتاج إلى غيره في بيان عينه: كما مر معنا في قوله تعالى (والليل إذا عسعس).
– ونوع يحتاج إلى غيره في بيان مقداره: كقوله تعالى: (وآتوا الزكاة) فإن مقدار الزكاة الواجبة مجهول يحتاج إلى بيان.
واعلم -كذلك- أن اللفظ قد يكون مجملا من وجه، واضحا من وجه آخر، كقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) فإنه واضح في إيتاء الحق، مجمل في مقداره لاحتمال النصف أو أقل أو أكثر4.
ومن المهم معرفته في هذا الصدد أنه “ليس معنى المجمل عند أئمة السلف هو ما لا يفهم منه معنى، وإنما ما لا يكفي وحده في العمل”، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة: كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وإسحاق وغيرهم، سواء، لا يريدون بالمجمل ما لا يفهم منه كما فسره بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك، بل المجمل: ما لا يكفي وحده في العمل به وإن كان ظاهره حقا كما في قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) فهذه الآية ظاهرها ومعناها مفهوم، ليس مما لا يفهم المراد به، بل نفس ما دلت عليه لا يكفي وحده في العمل، فإن المأمور به صدقة تكون مطهرة مزكية لهم، وهذا إنما يعرف ببيان الرسول”.
قال الناظم:
في اللغة المجمل قل مجموع وفي اصطلاح خلفهم مسموع
فهو لدى السلف ما احتاج إلى بيانه لكي يصح عملا
كأخذه صدقة مطهرة فإن تبيين الرسول أظهره
أما الأصوليون قالوا المجمل أكثر من معنى غدا يحتمل
من غير ترجيح لواحد كما في القرء للحيض وللطهر انتمى
أما المبين اصطلاحا فهو: “إظهار ما فيه خفاء” (أي: لابد أن يسبقه خفاء)، وعلى هذا درج أكثر الأصوليين، فخصوا البيان بإيضاح ما فيه خفاء.
ومن ثم لا بد من معرفة ما يقع به البيان فنقول: يقع البيان بالقول تارة وبالفعل تارة وبهما معا. وقد يكون بترك الفعل ليدل على عدم الإيجاب “مثلا”.
أما البيان بالقول:
كتاب بكتاب: قال تعالى: (إلا ما يتلى عليكم) فهذا مجمل بينه الله بقوله: (حرمت عليكم الميتة والدم) الآية.
كتاب بسنة: قال تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده)، فحقه مجمل بينه عليه الصلاة والسلام بقوله: “فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر”.
أما البيان بالفعل:
يكون بصورة العمل: كصلاته فوق المنبر ليبين للناس ولذا قال لهم: “صلوا كما رأيتموني أصلي”.
ويكون بالكتابة: ككتابته مقادير الزكاة لعماله عليها.
ويكون بالإشارة: كقوله الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابع يديه وقبض الإبهام في الثالثة يعني: تسعة وعشرين يوما.
أما البيان بترك الفعل:
كتركه التراويح في رمضان بعد أن فعلها.
فكان تركه لها خشية أن تفرض علينا، فدل ذلك على عدم الإيجاب.
وليعلم أنه يجوز أن يكون البيان أضعف رتبة من دلالة المبين فيجوز بيان المتواتر بالآحاد والمنطوق بالمفهوم.
قال الناظم في خصوص مبحث البيان:
إخراجه من حيز الإشكال إلى تجلية البيان الغالي
وهو المبين ويطلق على ما حصل البيان عند النبلا
ويحصل البيان من عز وجل أو من رسوله فكل مقتبل
أو فعله إقراره كتابته سكوته وتركه إشارته
كون البيان رتبة أدون من مبين يجوز عند من فطن
ومن القواعد المتداولة عند أرباب النظر في خصوص هذا المبحث قاعدة: تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإنه لا يجوز لأن ذلك يؤدي إلى التكليف بما لا يطاق وهو ممتنع شرعا.
قال ابن قدامة -رحمه الله-: “ولا خلاف في أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة”.
أما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فهو جائز، وواقع عند الجمهور فقد فرضت الصلاة ليلة الإسراء مجملة وتأخر بيانها إلى الغد حتى جاء جبريل -عليه السلام- وبينها.
ويدل لذلك أيضا قوله تعالى: (فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) و”ثم” للتراخي، فدلت على تراخي البيان عن وقت الخطاب.
يقول الإمام الشوكاني رحمه الله: “اعلم أن كل ما يحتاج إلى البيان من مجمل وعام ومجاز ومشترك وفعل متردد ومطلق، إذا تأخر بيانه فذلك على وجهين:
الأول: أن يتأخر عن وقت الحاجة، وهو الوقت الذي إذا تأخر البيان عنه لم يتمكن المكلف من المعرفة لما تضمنه الخطاب، وذلك في الواجبات الفورية لم يجز…
قال ابن السمعاني: (لا خلاف في امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل، ولا خلاف في جوازه إلى وقت الفعل…).
الوجه الثاني: تأخيره عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل، وذلك في الواجبات التي ليست بفورية، حيث يكون الخطاب لا ظاهر له، كالأسماء المتواطئة، والمشتركة، أو له ظاهر، وقد استعمل في خلافة، كتأخر التخصيص، والنسخ، ونحو ذلك”.
……………………
1.أنظر أضواء البيان 1/94، وهو مذهب الجماهير انظر معجم اصطلاحات أصول الفقه 121.
2. انظر الرسالة 322، وشرح الكوكب المنير 3/414 وغيرهما.
3. انظر شرح الأصول من علم الأصول لابن عثيمين رحمه الله 337.
4. انظر أضواء البيان 1/94.
5. مجموع الفتاوي 17/391-392.
6. انظر تسهيل الوصول إلى فهم علم الأصول 45.
7. نفسه.
8. وليعلم أن مراتب البيان متفاوتة فأعلاها ما كان بالخطاب، ثم بالفعل، ثم بالإشارة، ثم بالكتابة.
9. انظر روضة الناظر 2/57.
10. روضة الناظر 153.
11. انظر اللمع للشيرازي 159.
12. انظر تسهيل الوصول 46.
13. إرشاد الفحول 153.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *