الكاتب المحلي للنقابة الوطنية للتعليم العالي: تصوير مؤسسات التعليم العالي بصيغة المطلق على أنها فضاءات لإنتاج الفساد أمر مبالغ فيه

بالرغم من الجهود المبذولة للنهوض بالمؤسسات الجامعية، إلا أنها لازالت تعاني من بعض الاختلالات، وقد دق مؤخرا بعض المفكرين والأكاديميين ناقوس الخطر حول الفساد المستشري بها، من مثل المال والجنس والهدايا التي تقدم لبعض أساتذة الماستر والدكتوراه لغايات معلومة.. إضافة إلى التعيينات بالزبونية..

جوابا على هذه الانتقادات، قال د.محمد الشركي، عضو المكتب المحلي للنقابة الوطنية للتعليم، “من موقعي كمتتبع للشأن التعليمي وكفاعل تربوي ونقابي وكأستاذ باحث، أؤكد لكم أن الأمر لا يتعلق بتاتا بظاهرة تجتاح منظومة التعليم العالي، بل فقط بحالات استثنائية ومعزولة تسيء بكل تأكيد إلى صورة التعليم العالي بنوعيه الجامعي وغير الجامعي”.

وأضاف الأستاذ المكون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين، “الأمر في بعده الأخلاقي مرفوض بالمطلق، ومواقف النقابة الوطنية للتعليم العالي واضحة في شأن تخليق الحياة العامة ومنها المرفق العمومي الذي تشكل مؤسسات التعليم العالي جزء منه، ويمكن رصد تلك المواقف في كل البيانات والبلاغات التي تصدرها النقابة عبر هياكلها الوطنية والمجالية. أكثر من ذلك لم تتوانى النقابة الوطنية للتعليم العالي في تصريف تلك المواقف المبدئية في كل المواقع التي تتواجد بها، ونخص هنا بالذكر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي وهياكل المؤسسات من مجالس المعاهد والمراكز والكليات أو الجامعات. إذ أذكر بهذه المعطيات، فإن ذلك يتم بغاية التبليغ للقارئ على أن ما يطفو للسطح، بين الفينة والأخرى من اختلالات، لا يتعلق بمنهج داخل التعليم العالي تحتضنه وتزكيه جميع مكونات هذا القطاع، بل مختزل في حالات استثنائية تعبر عن استثناء المعنيين بارتكابها من شرف نبل الرسالة التي يضطلع بها التعليم داخل المجتمع على كافة المستويات.

في مقابل ذلك، هذه الاختلالات وبكافة تجلياتها، سواء التي قدمت في السؤال أو من خلال ما وقفت عليه التقييمات المؤسساتية التي أنجزها كل من المجلس الأعلى للحسابات أو المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تساءل أولا المجتمع برمته من الناحية القيمية وثانيا المؤسسات الوصية عن حكامة هذا القطاع.

بالنسبة للبعد القيمي وعند كل واقعة شاذة، نتقاسم جميعا ردود الفعل الواسعة من طرف جميع شرائح المجتمع التي تدينها. وهذا في تقديري أمر جد إيجابي في حدوده التي تعبر عن وعي جماعي رافض للفساد ومطالب بالنزاهة، بعيدا عن ثقافة الشهرة والتشهير التي استشرت مؤخرا والتي لا تقل سوءا عما نحن بصدد تناوله لأن قضايا المجتمع ليست سلعة خصوصا إن كانت من حجم التعليم. وفي هذا الإطار، أكيد أن هناك بعض نقط السواد، لكن أن تحجب عنا اتساع مساحة البياض، فإن ذلك يطرح أكثر من علامة استفهام. تصوير مؤسسات التعليم العالي بصيغة المطلق على أنها فضاءات لإنتاج الفساد أمر مبالغ فيه وتعتريه العديد من أحوال غياب المعلومة.

في هذا القطاع، كما في غيره من القطاعات، أطر على اختلاف مهامها تعمل بتفان ونكران للذات، وقبل هذا وذاك فإنها تشتغل بإخلاص في مهامها التكوينية والبحثية رغم الصعوبات التي تواجههم والتي تتطلب لوحدها ورقة خاصة للتفصيل فيها.

هذا على مستوى الرأي العام، أما مؤسساتيا، فأطرح معكم السؤال، حول المقصد من عدم متابعة ما تأكد من اختلال في التعليم العالي أو غيره، وعدم الحسم فيما ثبت من مظاهر للفساد بجميع أنواعه. ما جدوى أن تقوم مثلا مفتشية عامة أو المجلس الأعلى للحسابات بافتحاص ولا تجد التقارير المنجزة مكانا إلا ضمن الأرشيف. والسؤال هنا مطروح أولا على من جاءنا سنة 2011 بجلباب الطهرانية ومبشرا بغزو مقالع الفساد، فإذا بالريع ينتعش بل يتم تحصينه بحصن سياسي.

ما جدوى أن تقوم مثلا مفتشية عامة أو المجلس الأعلى للحسابات بافتحاص ولا تجد التقارير المنجزة مكانا إلا ضمن الأرشيف. والسؤال هنا مطروح أولا على من جاءنا سنة 2011 بجلباب الطهرانية ومبشرا بغزو مقالع الفساد، فإذا بالريع ينتعش بل يتم تحصينه بحصن سياسي.

 

أما بالنسبة لشق السؤال حول سبل الارتقاء بمؤسسات التعليم العالي، والذي يرتبط بحكامة القطاع فأظن على أننا نعيش سياقا إصلاحيا لمنظومة التعليم برمتها ولن يكون مقبولا أن ننتج خيبة أمل أخرى. وفي هذا الإطار الكل مسؤول للعمل من موقعه ليتحقق الإصلاح المنشود.

للأسف المؤشرات الحالية لا تبشر بذلك، قطعنا خمس سنوات من صدور الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم ولا زلنا نراوح مكاننا. بعض المعطيات التي تشير إلى ذلك، سأستقيها من سؤالكم.

أولا حول التوظيف والذي له علاقة بتدبير الموارد البشرية، وهي العملية التي يعود قانونها إلى 1997 رغم المطالبات المتكررة بإصلاحه. فهل يعقل، مثلا، أن نعتمد في سنة 2020 لتوظيف أستاذ في التعليم العالي على نفس الآلية التي كانت معتمدة قبل ما يزيد عن عشرين سنة، والتي أثبتت التجارب أنها طيعة إذا أريد ليها ليا لتأخذ أي مقاس.

ثانيا القضايا البيداغوجية، تعتمد في تأطيرها إلى القانون 01.00 الصادر سنة 2000 ولم تفتحه الوزارة بشكل علني لتعديله إلا سنة 2015 وكان ذلك بمناسبة عزمها إدراج نوع فريد من التعليم العالي تحت ما يسمى شراكة خاص-عام، وهو مقترح التعديل الذي عارضته النقابة الوطنية للتعليم العالي وأحالته الحكومة آنذاك على المجلس الأعلى للتربية والتكوين لإبداء الرأي، فما كان إلا أن تم التفصيل في العيوب التي شابت المقترح المقدم منها استعمال لغة لا تنهل من معجم القانون، وتم رفضه. هنا أطرح سؤالا، هل يمكن أن نقوم بتدبير مسالك وتكوينات في جميع الأسلاك بمقتضيات من سنة 2000 تنتج دفاتر للضوابط البيداغوجية تحتمل جميع التأويلات وتستوعب جميع الممارسات.

وقفت فقط على الجانبين الواردين في السؤال لأن المقام ليس للتشخيص، ولكن بالخصوص للتأكيد على أن الإصلاح في التعليم العالي لا زال موقوف التنفيذ. فهل يمكن أن نصلح حاله بإطار قانوني معطوب؟ وهل يمكن أن نصلح حاله في زمن حكومي تحول فيه التعيين في مواقع المسؤولية إلى ورقة للتفاوض في يد الحكومة؟

في هذا السياق وللختم أقدم مثالا حتى يتضح المقال. عديدة هي المؤسسات التي انتهت ولاية مسؤوليها من عمداء ومديرين أو أنهيت مهامهم لسبب من الأسباب وفتح التباري على ذلك المنصب وشارك فيه هؤلاء ولم يتم إعلانهم فائزين، ثم يعاد إعلان التباري من جديد ويبقى يتكرر من جديد سيناريو عدم الفوز وإعادة الإعلان عن المباراة مرات ومرات. إعفاء مسؤول أو عدم تجديد ولايته بعد مشاركته في التباري على المنصب يعني عدم كفاءته، إذن ما مسوغ الاحتفاظ به في موقع المسؤولية؟ هل في هذا شيء من ربط المسؤولية بالمحاسبة أو من تخليق المرفق العام؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *