اليهود المغاربة في زمن الاحتلال محمد زاوي

 

لم يدم الحال بين اليهود والمغاربة على ما كان عليه قبل تدخل الاستعمار الغربي، وذلك لتدخل هذا الأخير عبر وسائل متعددة لعل أبرزها الحركة الصهيونية العالمية متمثلة في “الاتحاد العالمي الإسرائيلي” الذي “أنشأ أول مدارسه العصرية في تطوان سنة 1862، ثم اتبعها بسلسلة أخرى من هذه المدارس في كثير من مدن المغرب” كما يؤكد ذلك أحمد شحلان في كتابه “اليهود المغاربة” (ص:17).

ولما دخل الاستعمار الفرنسي إلى المغرب لم يواجه هذه المدارس، بل عمل على توسيع انتشارها أكثر مما كانت عليه، لأنها كانت تخدم مصالحه على اعتبارين: تشجع سياساته الفرنكوفونية من جهة وتمهد لها، تخضع لتقسيمه الاجتماعي. يقول محمد عابد الجابري بهذا الخصوص: “لقد وجدت الحماية الفرنسية بالمغرب تعليما إسرائيليا حديثا (20 مدرسة سنة 1908 بها نحو 4000 طفل) يتخذ من اللغة الفرنسية لغة علم وثقافة، فشجعته وأمدته بالمساعدة وأولته كامل الرعاية”. (محمد عابد جابري، أضواء على مشكل التعليم بالمغرب، دار النشر المغربية، ص 16)

لم يكن الاستعمار الفرنسي ليقضي على واقع يستفيد منه، بل استفاد منه قبل تدخله العسكري والسياسي في المغرب. ومن أجل ذلك فقد أطلق عيونه في المغرب قبل مدة من استعماره، لخلق نوع من الفرقة بين اليهود والمسلمين في المغرب بناء على معطيات خاطئة ومضللة مفادها أن “اليهود المغاربة يعيشون ظروفا قاسية في المغرب. والحال أن تلك الظروف “من احتياج وفقر ومعاناة واجتياح، بل وتقتيل… كانت حالا يعيشها المغاربة أجمعون، لنزوات طبيعية ما كان المغرب قادرا على الانتصار عليها، ولنظم سياسية كانت هي واقع الحال حتى في بعض دول أوروبا نفسها في ذلك الوقت، فاحترق بنارها كل المغاربة مسلمين ويهودا”. (أحمد شحلال، اليهود المغاربة، ص15).

وقد أدى ترويج الرواية الاستعمارية بالفعل إلى خلق نوع من الفتنة الشعورية بين اليهود والمسلمين في المغرب. إذ انطلت الخطة على عدد كبير من اليهود حتى أصبحوا يصدّقون أنهم يعيشون في اضطهاد وفي ظل أوضاع مزرية دون بقية المغاربة، وهو ما اعتبره عدد من المغاربة خذلانا واستقواء بالأجنبي. وتطور هذا الأمر إلى غاية ضلوع عدد لا يستهان به من اليهود بما في ذلك عائلات يهودية في مساعدة الاستعمار، بل أصبحوا جزءا من بنيته في المغرب.

يقول شحلان: “إن خريجي هذه المدارس (المدارس اليهودية) كانوا هم الطلائع الأولى المؤهلة لمساعدة الوافد الجديد، أي المستعمر، فكانوا كتابا وتراجمة وإداريين، وبلغ بعض منهم مراتب عليا في “ماكينة” الاستعمار. وفي نفس الآن برزت عائلات يهودية استحوذت على كبريات المؤسسات التجارية والمالية، وخص بعض منها بالجباية وأخذ المكوس في الأبواب والموانئ، فتكونت طبقة يهودية من رجال السلطة والمال، وكسبت الجنسية الفرنسية الصراح، فتجسم فيها الاستعمار حقا، وكونوا صورة التي توجس منها المغاربة خيفة من قبل”. (نفس المرجع، ص17).

يشكل هذا الصنف من اليهود في المغرب تلك المجموعة التي “تتمثل في أولئك الذين وضعوا ثقتهم في فرنسا كقوة استعمارية ودولة حماية. إنها المجموعة التي تعلمت وتكونت من الناحية الاجتماعية والثقافية على النمط الفرنسي. ولم يكن من قبل الصدفة أن يكون الكثير من هذه المجموعة قد أخذ سبيله للهجرة نحو فرنسا التي أشرفت على تحضرهم، خصوصا خلال استقلال المغرب وبعد”. (الكبير عطوف، هجرة اليهود المغاربة إلى الخارج 1910-1965، كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر، 2020، ص74).

كانت هناك مجموعة أخرى فضلت عدم الارتباط بفرنسا، وانتظرت “نداء الهجرة على الكيان الصهيوني”. وأغلب أفراد هذه المجموعة كانوا من الفئات الدنيا (نفس المرجع)، ولم يتشبعوا بثقافة البورجوازية الفرنسية. إلا أن الصهيونية التي سمحت فرنسا بانتشارها في المغرب، كانت كفيلة بتحريضهم على الهجرة إلى أرضهم “الموعودة”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *