الربا في الشريعة الإسلامية

تعريف الربا لغة واصطلاحا:

الرِّبا في اللغةِ: الزِّيادة، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾، قال أبو بكرٍ العُزيري: أي: أزيدُ عدَدًا، ومِنه سُمِّي الرِّبَا كذلك؛ لأنهُ زِيَادَةٌ على المَال.

وأمَّا في الشرع: فقد قال ابنُ قُدامة: الزِّيادَةُ في أشْياءَ مَخْصُوصَة.

حكم الربا في الإسلام:

الربا محرَّم بنصِّ القرآن والسنة والاجماع: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275]، وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» رواه البخاري ومسلم. وقد حكى ابنُ قدامة الإجماع على حُرمته، قال: الرِّبا مُحَرَّمٌ بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماع.

تحريم الربا في القرآن:

ورد الحديث في القرآن الكریم عن الربا في أربعة مواضع؛ وكان نزوله لأولِّ مرَّة بمكة والثلاثة الباقیة بالمدينة النبوية؛ ھي حسب ترتیب النزول:

الأول: في قول الله تعالى في سورة الروم المكیة : ﴿وَمَا آتَیْتُمْ مِنْ رِباً لِیَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ الناسِ فَلا یَرْبُوا عِنْدَ الَّله وَمَا آتَیْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِیدُونَ وَجْه الَّله فَأُوْلَئِكَ ھُمْ الْمُضْعِفُونَ﴾  وفی الآية الكريمة مقارنة بین الربا والزكاة، وإیماءٌ إلى أنَّ الربا غیر مرغوب فيه من قِبَل الشارع الحكيم.

الثاني: في قوله تعالى سورة النساء: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنْ ا َّلذِینَ ھَادُوا حَرَّمْنَا عَلَیْھِمْ طَیبَاتٍ أحِّلتْ لَھُمْ وَبِصَدِّ ِّھِمْ عَنْ سَبِیلِ الَلَّله كَثِیراً وَأَخْذِھِمْ الر ِّبَا وَقَدْ نُھُوا عَنْه وَأَكْلِھِمْ أَمْوَالَ الناسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِینَ مِنْھُمْ عَذَاباً أَلِیماً﴾ وفي ھذه الآیة بیان تحریم الربا عِند الیھود خاصة، وھذا من شأنه أن یجعل المسلمین ينتظرون نزول الوحي بتحريم الربا بينهم أيضًا.

الثالث: في قوله جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿یَا أَیُّھَا ا َّلذِینَ آمَنُوا لا تَأْكُلوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتقُوا اللهَ لَعَّلكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتّقُوا النّارَ اّلتِي أعِدِّتْ لِلْكَافِرِینَ﴾ وقد جاء النھي صریحاً في هذه الآية الكريمة مقارنةً بينَ ما نزلَ في شأن الربا من قبلُ في الموضعين السابقين.

الرابع: في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿الذِینَ یَأْكلونَ الربَا لا یَقُومُونَ إِلا كَمَا یَقُومُ  الذِي یَتَخَبطُهُ الشّیْطَانُ مِنْ الْمَس ِذَلِكَ بِأَنھُمْ قَاُلوا إِنمَا الْبَیْعُ مِثْلُ الربَا وَأَحَلَّ الّله الْبَیْعَ وَحَرّمَ الربَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبه فَانتَھَى فَلَه مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الّله وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ ھُمْ فِیھَا خَالِدُونَ یَمْحَقُ الّله الربَا وَیُرْبِي الصدَقَاتِ وَاللهُ لا یُحِب كُلَّ  كَفّارٍ أَثِیمٍ إِن ا لذِینَ آمَنُوا وَعَملوا الصّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصلاةَ وَآتَوْا الزكاةَ لَھُمْ أَجْرُھُمْ عِنْدَ رَبھمْ وَلا خَوْفٌ عَلَیْھِمْ وَلا ھُمْ یَحْزَنُون یَا أَیھَا ا َّلذِینَ آمَنُوا اتقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الر ِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِینَ فَإِنْ لَمْ تَفْعلوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى َمیْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدقُوا خَیْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتّقُوا یَوْماً تُرْجَعُونَ فِیه إِلَى الله ثُم َّ تُوَفّى كُل ُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَھُمْ لا یُظْلَمُون﴾.

وقد ثبت في الخبرِ أن قوله تعالى في الآية :﴿یَا أَیّھَا الذِینَ آمَنُوا اتقُوا الّله وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الر ِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِینَ﴾ آخرُ ما نزلَ مِن القرآن كما في صحیح البخاري عن ابن عباس ، وما رَواهُ ابن جریر وغیره من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. إنَّ تحریم الربا لم یكن دُفعة واحدة، وأن الآیة التي تنصُّ على تحریم الربا أضعافاً مضاعفة نزلت في سیاق التحریم بالتدریج، وكانت تعني الصورة الشائعة في الربا حينها لا الصورة الوحیدة المتعامل بھا، وتأكیداً لذلك فإنَّ المفسرین أشاروا إلى أن غالبَ ما كان یُتعامل به من الربا أن الرجل في الجاھلیة كان إذا داین إنساناً وحلّ أجلُ دَینِه، قال لهُ: إما أن تَقضِي وإما أن تزیدني في المال وأزیدُكَ في الأجل.

وغالبُ ما كان يفعله  أهل الجاھلیة أنھم إذا حلّ أجل الدین قال مَن ھو لهُ لِمَن ھو علیهِ أتقضي أو تُربي؟ فإن لم یقضِ زادَ مِقداراً في المال الذي علیه، فأخّر له الأجل إلى حین، وھذا النوع من المعاملات المالية محرم بالاتفاق.

تعريف الربا وأنواعه:

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والمِلح بالمِلح، مِثلًا بمِثل، سواءً بِسَواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فَبِيعوا كيفَ شِئتُم إذا كان يدًا بيد» رواه مسلم.

فهذا الحديث عمدة في بيانِ الربا وأنواعه، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم  ستة أصناف؛ وهي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وهي المسمّاةُ: الأموال الربوية؛ أي التي تخضع لقاعدة تحريم الربا لوجود النص النبوي فيها، فلا يجوز بيعُ جِنسٍ مِنها بجنسٍ آخرَ مِنها مؤجلًا، ولا يجوز بيعُ جنسٍ مِنها بجنسِه متفاضلًا أو مؤجلًا، فلا يجوز بيعُ الذهبِ بالذهبِ مُؤجلًا أو متفاضلًا مهما كان نوع الذهب فيهما، وكذلك كل جنسٍ من الأجناس الأخرى التي وردت في هذا الحديث لا يُباع بجِنسه متفاضلًا أو مؤجلًا بقطعِ النَّظر عن جَودة أحد الجِنسِين أو رداءته، ويجوز بيعُ الذهبِ بالفضةِ أو الفضةِ بالذهبِ دونَ النظر إلى الوزن أو القيمة؛ بشرط التقابض في المجلس، وكذلك بيعُ البُر بالشعير يجوز فيه التفاضل، ولكن لا بُدَّ فيه من التقابض في المجلس.

أنواع الربا:

ينقسم الربا إلى نوعين رئيسيّين:

ربا الديون: وهو الربا المذكور في القرآن الكريم والمنصوص على تحريمه، ويُطلق عليه أيضًا: “ربا الجاهلية”، ومعنَى ربا الديون: الزيادةُ على مِقدار الدَّين الثابت في ذِمّة المَدين مُقابِل تأجيل وتمديد وقت السداد. وهذا النوع  كان منتشرًا في الجاهلية وقبل مجيء الإسلام، و هو نفس النوع الربوي المعمول به والممارس في يومنا الحاضر لدى البنوك التجارية. وهذا النوع من الربا هو أشهر والأكثر انتشارًا وأشده قُبحًا.

ربا البيوع: وهو ما كان في بيع الأموال الربوية بعضها ببعض؛ وهي ستة أصناف نصَّ عليها الحديث النبوي: الذهب، والفضة، والبر، والتمر، والملح، والشعير.

وجمهور الفقهاء على أنه يلحق بهذه الأصناف الأموال الأخرى، والتي تتحد معها في العلة.

وربا البيوع نوعان:

الأول: ربا الفضل: ومعناهُ الزيادة في أحد العِوَضين عن الآخر عندَ بيع مالٍ ربوي بمال ربوي من جنسه؛ كبيع الذهب بالذهب مثلا، فلا يجوز هذا النوع من البيع إلا متماثلاً، وأي زيادة في أحد الجانبين تجعلهُ بيعاً ربوياً، لكن لا بد من اتحاد الجنس، أي أن يكون ذهباً بذهب، أو فضة بفضة، أو عملة نقدية بنفس العملة، وهكذا.

الثاني: ربا النسيئة: وهو تأخر قبضُ أحدِ العِوَضين في بيع الأموال الربوية إذا كانت مُتحدة في العلة، فإذا بيع مال ربوي بغير جِنسه كأن يُباع ذهبٌ بفِضة أو العكس، أو أن تُباع عُملة بِعُملة أخرى، فإنه يجوز فيها التفاضل؛ أي الزيادة والنقص لاختلاف الجنس، ولكن لا يجوز تأخير قبضِ أحد العِوضين، بل لا بد من التقابض في مجلس العقد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *