مسالك علماء المذهب في تحقيق المذهب المذهب المالكي أنموذجا “تقديم الراجح على المشهور” -الحلقة الأولى- رشيد مومن الإدريسي

من المقرر عند العلماء أن القولين المتعارضين يسلك فيهما مسلك الدليلين المتعارضين شرعا، ذلك بالجمع بينهما إذا كان الأمر متاحا على وفق الصنعة الفقهية فإن “الإعمال خير من الإهمال”1.
قال الناظم:
وللكلام يا فتى الإعمال *** أولى من الإهمال فيما قالوا
وإذا تعذر الجمع وعلم المتأخر منهما فهو القول المعتمد، والمتقدم معدول عنه كما سبق تقريره، وإذا تعذر هذا أيضا صير إلى الترجيح، ومن صور العمل بذلك عند السادة المالكية : تعارض الراجح في المذهب مع المشهور.

تعريف الراجح والمشهور
الراجح لغة: الوازن، ومنه: رجح الميزان: مال، ورجحت إحدى الكفتين الأخرى: مالت بالموزون2.
أما اصطلاحا: فقيل: الراجح هو ما قوي دليله، وقيل: ما كثر قائله3، فيكون بهذا مرادفا للمشهور على ما هو مشهور كما سيأتي قريبا، والذي عليه الجماهير من فقهاء المالكية هو الحد الأول 4، وهو الأنسب للمعنى اللغوي.
قال أبو الشتاء الصنهاجي المالكي5:
إن يكن الدليل قد تقوى *** فراجح عندهم يسمى
ويعبر عنه عندهم ببدائل اصطلاحية أخر كالأصح والأصوب والظاهر والمفتى به، والعمل على كذا6.
أما المشهور لغة: فهو مشتق من الشهرة، والشهرة: ظهور الشيء في شنعة حتى يشهره الناس7.
أما اصطلاحا: فقيل هو ما قوي دليله فيكون بهذا مرادفا للراجح، وهذا المعنى شهره أحمد الونشريسي رحمه الله8، وصححه أبو الحسن التسولي9 وجماعة من المالكية.
وقيل: هو قول ابن القاسم في المدونة، وإليه مال شيوخ الأندلس والمغرب كالباجي وابن اللباد واللخمي وابن أبي زيد والقابسي10.
وقيل: المشهور ما كثر قائله وهو مذهب الجماهير من المالكية وهو الحق الأنسب للمعنى اللغوي ومال إليه ابن الحاجب، وشهره العدوي في حاشيته11، وقال الدسوقي: “هو المعتمد”12، وصوبه أبو عبد الله القادري13، والرجراجي14، ونظمه أبو الشتاء الصنهاجي في قوله15:
والقول إن كثر من يقول به *** يسمى بمشهور لديهم فانتبه

الواجب عند تعارض الراجح مع المشهور
على ما صوب في تعريف الراجح والمشهور من أن الأول ما قوي دليله، والثاني ما كثر قاله وهو اصطلاح الجماهير من المالكية فإنهم اختلفوا في أيهما يقدم عند التعارض على قولين:
الأول: تقديم المشهور على الراجح، قاله العدوي16، وبه جرى صنيع فريق من المالكية كالمازري والشاطبي والمهدي الوزاني في آخرين.
الثاني: تقديم الراجح على المشهور، وإليه مال أبو بكر بن العربي17، وهو مذهب الجماهير من الفقهاء والأصوليين.
قال الهلالي المالكي رحمه الله: “ومقتضى نصوص الفقهاء والأصوليين أن العمل بالراجح واجب”18 وهو الصواب.
قال أبو الشتاء الصنهاجي رحمه الله:
مشهورهم لراجح تعارضا *** يقدم الراجح وهو المرتضى19
بل هذا القول جرى عليه الإمام مالك رحمه الله وعد من أصوله.
قال ابن عزوز المالكي رحمه الله: “..في الفرق بينهما أن المشهور ما كثر قائله، والراجح ما قوي دليله كما اعتمده القرافي. وقال بعده: وكان مالك يراعي ما قوي دليله لا ما كثر قائله، ومثله قاله ابن عبد السلام.
فهذا أصل مهم من أصول مالك ينبغي أن لا يغفل عنه في الخلافيات ولذا قال المحققون: إذا تعارض الراجح والمشهور فالواجب العمل بالراجح”20.
والوجه الصحيح الفصيح لهذا الترجيح أن يقال: قدم الراجح على المشهور “لأن قوته نشأت من الدليل نفسه من غير نظر للقائل، والمشهور نشأت قوته من القائل”21، وفي هذا اعتبار الحجج والبراهين لا كثرة القائلين كما هو المسلك الواضح المبين! وعكس القضية ممتنع في مقررات الشرع ومسلمات العقول، بل هو أمر مشين!
ثم من المقرر عند العلماء المحققين أن الدليل إذا كان ثابتا لا معارض له مقابل قول جماهير أهل العلم من سائر المذاهب فالحجة في الدليل22 فكيف بمخالفة الدليل لجمهرة علماء مذهب من المذاهب فقط؟! فتأمل.
قال العلامة صديق حسن خان رحمه الله: “اعلم أنه لا يضر الخبر الصحيح عمل أكثر الأمة بخلافه، لأن قول الأكثر ليس بحجة”23.
وعليه يظهر مبالغة أبي الحسن التسولي رحمه الله في الانتصار لتقديم المشهور في المذهب المالكي على الراجح حتى أنه قال: “المقلد لا يعدل عن المشهور وإن صح مقابله، وأنه لا يطرح نص إمامه للحديث، وإن قال إمامه وغيره بصحته!”24.
وفي هذا النص دعوى للتساهل في الفتوى، وفتح لباب التعصب المقيت مع أنه “لا يجوز التعصب إلى المذاهب بالانتصاب للانتصار بوضع الحجاج وتقريبها على الطرق الجدلية، مع اعتقاد الخطأ أو المرجوحية عند المجيب كما يفعله أهل الخلاف إلا على وجه التدريب على نصب الأدلة، والتعلم لسلوك الطريق بعد بيان ما هو الحق، فالحق أعلى من أن يعلى عليه، وأغلب من أن يغلب” كما قال المقري المالكي رحمه الله25.
وقال بوطليحية في نظم المعتمد من الكتب والفتوى على مذهب المالكية:
ولم يجز تساهل في الفتوى *** بل تحرم الفتوى بغير الأقوى
قال ابن فرحون المالكي رحمه الله: “واعلم أنه لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى، ومن عرف بذلك لم يجز أن يستفتى وكذلك الحاكم (أي: القاضي)”26.
وللبحث بقية..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. الأشباه والنظائر للسبكي رحمه الله 2/217.
2. لسان العرب 2/445، والقاموس 1/229، والمعجم الوسيط 1/329.
3. رفع العتاب والملام لمحمد القادري 19.
4. وهو الصواب انظر جواهر الإكليل لعبد السميع الأبي 1/4، ودليل السالك لحميدي شلبي 17 في آخرين.
5. منهاج الناشئين من القضاة والحكام 46، ومواهب الخلاق على شرح التاودي للامية الزقاق لأبي الشتاء 2/337.
6. منار السالك للرجراجي 44، بل إن بعض الفقهاء يطلق الراجح على المشهور والمشهور على الراجح، ولا يراعي فرقا بينهما، لأن القول المعتمد في المذهب يسمى راجحا ومشهورا من غير تمييز بين قوة دليله وكثرة قائله، وإليه مال المهدي الوزاني في رسالة له في استحباب السدل !! 76.
7. لسان العرب 4/431، والقاموس 2/67.
8. كما في المعيار 12/37.
9. كما في البهجة في شرح التحفة.
10. انظر حاشية الدسوقي 1/20، وكشف النقاب لابن فرحون 72_68، ومنح الجليل لعليش 1/20.
11. الحاشية للعدوي 1/39.
12. حاشية الدسوقي 24.
13. في رفع العتاب والملام ص:17.
14. منار السالك 44.
15. منهاج الناشئين 36، ومواهب الخلاق 2/237.
16. في حاشيته على الخرشي 1/541.
17. في أحكام القرآن 2/114.
18. نور البصر 156.
19. مواهب الخلاق 2/237.
20. هيئة الناسك لابن عزوز المالكي رحمه الله 133.
21. الصوارم والأسنة 66.
22. هذا مع العلم أنه في الغالب يكون الصواب مع الجماهير من فقهاء السلف والخلف كما هو مقرر عند أهل العلم والدين انظر السير للإمام الذهبي رحمه الله 7/117، والصحوة الإسلامية للعلامة ابن عثيمين رحمه الله 192.
23. قواعد التحديث 91.
24. البهجة في شرح التحفة.
25. قواعد المقري 2/397.
26. التبصرة 1/74.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *