لحوم العلماء سامة.. “..إن في الكلام في الرجال عقبات مرتقيها على خطر ومرتقيها هوى لا منجى له من الإثم ولا وزر..” رشيد مومن الإدريسي

النظر الرائق و”الوقوف عند الحقائق لا يكون إلا بشدة البحث، وشدة البحث لا تكون إلا بكثرة المطالعة لجميع الآراء والأقوال والنظر في طبائع الأشياء، وسماع حجة كل محتج، والنظر فيها والتفتيش”1، ومن ذلك تقويم الرجال والأشخاص فإنه مورد صعب يحتاج إلى علم وعدل وورع دون تهميش، حتى قال الإمام الفذ ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله: “هيهات هيهات إن في الكلام في الرجال عقبات، مرتقيها على خطر، ومرتقيها هوى لا منجى له من الإثم ولا وزر، فلو حاسب نفسه الرامي أخاه: ما السبب الذي هيج ذلك؟ لتحقق أنه الهوى الذي صاحبه هالك” 2.

وعليه فوقوع الخطأ من الأنام، لم يتنزه عنه أحد حتى الكبار العظام، فينقد الخطأ أيا كان مصدره، ولا يهدم الكبير الذي صدر منه ذلك الزلل، لأن القصد دون حجة بينة إلى مجرد إسقاط الدعاة والرموز وهدم الكبار علامة الخسار والدمار…
فاعلم يا هذا أن “الفتنة باللسان وليست باليد”3 لأنها المدخل إلى البلاء، والفتنة إذا وقعت -وقد وقعت- “عجز العقلاء عن دفع السفهاء، فصار الأكابر عاجزين عن إطفاء الفتنة”4 وما يروجه الدهماء “وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله”5 فمنه التوفيق والعطاء.
واحذر أن تتذرع لمسلكك الفاسد العليل بالعلم الشريف علم الجرح والتعديل وأنت لست مؤهلا له، فـ ” العاقل لا يبني قصرا، ويهدم مصرا “!! 6، و “المؤمن لا يشفي غيضه “!! 7.
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:” ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث 8 قدح بعضهم في بعض طلبا للتشفي 9، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة للذب عن الشرع، والله أعلم بالمقاصد، ودليل مقصد خبث هؤلاء سكوتهم عمن أخذوا عنه، وما كان القدماء هكذا..” !! 10
واحذر -كذلك- إلف واعتياد إطلاق اللسان طعنا في بني الإنسان فضلا على أهل العلم والعرفان، فكثرة المساس تذهب الإحساس و ” العوائد تهدم أصولا وتبني أصولا ” 11، ورحمة الله على الإمام ابن القيم لما قال :” ومن الناس من طبعه طبع خنزير، يمر بالطيبات فلا يلوي عليها، فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمَّه، وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوئ، فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه، فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء، وجد بغيته وما يناسبها، فجعلها فاكهته ونقله ” 12.
فهل بفلتة لسان، أو جرت قلم ببنان نطيح بصاحب السنة والقرآن؟!!
قال تعالى 🙁 لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا )
قال العلامة السعدي رحمه الله في هذه الآية :” هذا إرشاد منه لعباده، إذا سمعوا الأقوال القادحة في إخوانهم المؤمنين، رجعوا إلى ما علموا من إيمانهم، وإلى ظاهر أحوالهم، ولم يلتفتوا إلى أقوال القادحين، بل رجعوا إلى الأصل، وأنكروا ما ينافيه ” 13
فإياك أيها المتعلم أن يكون همك ” الاشتغال بالناس، والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم، فإن ذلك إثم حاضر، والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم، ولأن غيرهم يقتدي بهم ومن كان طبعه الشر من غيرهم جعلهم حجة له، ولأن الاشتغال بالناس 14 يضيع المصالح النافعة، والوقت النفيس، ويذهب بهجة العلم ونوره” 15.
إن منهج “هلك الناس” 16 الذي ينتهجه بعض الطغام ما هو إلا نَفَس حروري حدَّادي، وإن تدثر بدثار الغيرة على الحق والانتصار له.
وما سلك القوم بصنيعهم هذا طريق العلم حقا، وإنما هو الجهل العريض الذي يبدوا لهم علما واسعا، وهو في الحقيقة الكبر، والتيه، وبطر الحق، وغمط الناس منازلهم.
” واعلم يا أخي – وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته – أن لحوم العلماء- رحمة الله عليهم – مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم ” 17
لحوم أهل العلم مسمومة **** ومن يعاديهم سريع الهلاك
فكن لأهل العلم عونا وإن **** عاديتهم يوما فخذ ما أتاك
فهذا الإمام الذهبي رحمه الله يقول في ترجمة أبي بكر ابن العربي مشيرا إلى كلامه في ابن حزم رحمة الله على الجميع :”..ولم أنقم على القاضي إلا إقذاعه في ذم ابن حزم 18 واستهجانه له، وابن حزم أوسع دائرة من أبي بكر في العلوم، وأحفظ بكثير، وأصاب في أشياء وأجاد، وزلق في مضايق كغيره من الأئمة، والإنصاف عزيز ” 19.
وأهل الورع والنظر يوضحون خطأ من أخطأ من أهل العلم مع الإبقاء على قدره ومقامه دون خلط ولا هدر.
يقول العلامة السعدي رحمه في معرض الكلام عن بيان زلل الإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه صيد الخاطر خاصة في باب الصفات :” ..وخالف السلف في حملها على ظاهرها، وقدح في المثبتين، ونسبهم إلى البلاهة، وهذا الموضوع من أكبر أغلاطه، ولذا أنكر عليه أهل العلم…وهو معدود من الأكابر الأفاضل، ولكن كل أحد مأخوذ من قوله ومتروك، سوى النبي عليه الصلاة والسلام..
فكلامه في كتاب التأويل، وكلامه في الفصول التي في أول صيد الخاطر.. يجب الحذر منها والتحذير، ولولا أن هذه الكتب موجودة بين الناس، لكان للإنسان مندوحة عن الكلام فيه، لأنه من أكابر أهل العلم وأفاضلهم، وهو معروف بالدين والورع والنفع، ولكن لكل جواد كبوة..
وفي صيد الخاطر أيضا أشياء تنتقد عليه، ولكنها دون كلامه في الصفات.. وإننا نأسف على صدورها من قََِبَل هذا الرجل الكبير القدر..” 20
ومن المهمات في هذا المقام أن العالم قد يشدد على غيره من أهل العلم لا طعنا في علمه 21 وشخصه وإنما تنفيرا من زلاته.
قال الإمام ابن الجزري رحمه الله في حق الإمام أبي شامة رحمه الله لأجل رأي في علم القراءات ذهب إليه :” فانظر يا أخي إلى هذا الكلام الساقط الذي خرج من غير تأمل، المتناقض في غير موضع في هذه الكلمات اليسيرة، أوقفت عليها شيخنا الإمام ولي الله أبا محمد محمد بن محمد بن محمد الجمالي رحمه الله فقال: ينبغي أن يعدم هذا الكتاب من الوجود، ولا يظهر ألبتة، فإنه طعن في الدين.
قلت: ونحن نشهد الله لا نقصد انتقاص الإمام أبي شامة، إذ الجواد قد يعثر، ولا نجهل قدره، بل الحق أحق أن يتبع، ولكن نقصد التنبيه على هذه الزلة المزلة، ليحذر منها من لا معرفة له بأقوال الناس، ولا إطلاع له على أحوال الأئمة” 22.
كما ينبغي أن يتنبه إلى أن كلام بعض العلماء في بعض بما ظاهره الطعن قد يكون في أحايين لا يراد به الحكم وإنما قيل ذلك بموجب مجرد الغضب، على أن الحكم في الغضب الذي يخرج المرء عن اعتداله لا يعول عليه فتأمل.
قال العلامة المعلمي رحمه الله :” فكذلك ينبغي لأهل العلم أن لا ينقلوا كلمات العلماء عند الغضب 23، وأن يراعوا فيما نقل منهما هذا الأصل، بل قد يقال لو فرض أن العالم قصد عند غضبه الحكم لكان ينبغي أن لا يعتد بذلك حكما ” 24.
ونقول في الختام لمن همه الطعن في الفضلاء الكرام دون قيد ولا زمام : فلتصبر إذن على حرِّ الحلاقم، ونهْش الضراغم، والبلاء المُتراكم المتلاطم، فو الَّذي نفسي بيده ما بارز أهل الحق قرن إلا كسروا قرْنه، فقرع مِنْ نَدَمِهِ سنَّه، ولا ناحرهم خصم إلا بشَّروه بسوء مُنقلبه، وسدُّوا عليه طريق مذهبه لمهربه، ولا خاصمهم أحد إلاَّ فضحوه حتى يحد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. التقريب للإمام ابن حزم رحمه الله 198.

2. الرد الوافر 13.
3. رواه أبو عمرو الداني رحمه الله في السنن الواردة في الفتن 171 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
4. من كلام شيخ الإسلام رحمه الله في منهاج السنة النبوية 4/31 فما بعدها.
5. نفسه.
6. الفتاوي لابن تيمية رحمه الله 17/420.
7. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه انظر فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب لابن المرزبان رحمه الله 64 تحقيق عصام محمد بشاور.
8. أي بعضهم.
9. قال ابن الجوزي رحمه الله: “.. فإن منبع غيبة الهمج والجهال من إشفاء الغيظ، والحمية، والحسد، وسوء الظن، وتلك مكشوفة غير خفية.
وأما غيبة العلماء، فمنبعها من خدعة النفس على إبداء التصيحة، وتأويل مالا يصح من الخبر ولو صح ما كان عونا على الغيبة..” تلبيس إبليس 124 – منتقاه.
10. تلبيس إبليس 123، منتقاه.
11. انظر زاد المعاد 4/204.
12. مدارج السالكين 1/403.
13. فتح الرحيم الملك العلام 168.
14. إلا بيانا لحق، أو ردا لباطل، أو نقضا لبدعة، أو تحذيرا من منحرف مضل بالضوابط المرعية والشروط الشرعية.
15. الفتاوي السعدية 461.
16. إشارة إلى الحديث عند مسلم.
17. كما قال ابن عساكر رحمه الله في تبين كذب المفتري 28، وفي الشقائق النعمانية 39 ذكر ما يفيد أن الأولى أن يقال: لحوم العلماء سامة. انظر النظائر للشيخ بكر أبي زيد رحمه الله 295
18. كما نقم العلماء على ابن حزم رحمه الله طعنه في الفقهاء حتى قيل :” لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان ” كما في مقدمة تجريد أسماء الرواة من كتب ابن حزم ” نقلا عن النظائر 295.
19. سير أعلام النبلاء 20/202-203.
20. الفتاوي السعدية 60.
21. قال ابن فارس رحمه الله :” ليس كل من خالف قائلا في مقالته فقد نسبه إلى الجهل ” الصاحبي في فقه اللغة 46
22. منجد المقرئين لابن الجزري 199- 200.
23. قال شبير أحمد العثماني: “إن المؤمن الغيور الصادق في نيته، إذا بلغه عن أحد من المعروفين شيء، يزعم فيه أن القول به يرادف هدم الدين، ورد أحاديث سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن الواقع كذلك تأخذه غيرة دينية، وحمية إسلامية، ينشأ عنها غضب في الله تعالى على ذلك القائل وإبغاضه لوجه الله تعالى، فيحمله ذلك على الوقيعة، وإغلاظ القول فيه، والتكلم بمستشنعات الأقوال في حقه، ظنا منه أنه بصنيعه هذا مناضل عن الدين، وذاب عن حوض الشريعة” فتح الملهم بشرح صحيح مسلم 1/73.
24. التنكيل 1/54.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *