قرطبة.. بين عبق الماضي واضطهاد الحاضر إعداد: ياسر مجدي

أعتقد أننا جميعًا نعرف هذا الإسم، ولا يمكن حتى أن ننساه أو نتناساه، لأنه في الحقيقة مكتوب بأحرف من نور في تاريخ الحضارة الإسلامية وغيرها، وما زال يتلألأ هذا النور، وإن خبت جذوتها، غير أن في بدايات هذه السنة شهدت حملة مغرضة شنتها صحيفة “أيه.بي.ثي” أحد الصحف المسيحية، التي لا تتورع في أن تصوّب أقلامها المملوءة بالأحبار السامة ضد دول عربية ومسلمة، زاعمة أن هناك ما تسميه مخططًا إسلاميًا لبناء مدينة بقرطبة، تطلق عليها “مكة أوروبا”على نفس نمط “مكة المكرمة” بالمملكة العربية السعودية.

وتحت عنوان “مكة أوروبا” نشرت تلك الصحيفة عدة مقالات وتحقيقات، يقول مدير الصحيفة في أحد المقالات: “إن المعلومات التي نشرتها الصحيفة على مدى أسبوعين أو أكثر، تشير إلى أنهم حاولوا ويحاولون وسيحاولون بكل جهدٍ وعزمٍ أن تتحول قرطبة إلى مدينة إسلامية، على غرار ونمط “مكة” العربية، في محاولة منهم لاستعادة مجدهم المفقود، وإعادة التلألئ من جديد إلى تلك المدينة التي كانت يومًا من الأيام مقرًا للخلافة الإسلامية بالأندلس.
وأضاف مدير الصحيفة الصليبية: “إن الرسالة التي وجهتها رئيسة الكيان الصليبي “فيليبا بيوتستا” قد كشفت القناع عن مشروعات واهتمامات، لاستعادة قرطبة، تعكس هذه الاهتمامات طموحات أكثر من مليار مسلم، يبحثون عن مجدهم المفقود، مشيرًا إلى أن هذه الرغبة بدأت تنمو وتتجاوز أحلام المسلم البسيط، إلى أن أصبحت فكرة راسخة لدى زعماء العرب، وخاصة من دول الخليج العربي، وما يؤكد ذلك هو قيام أحد مشايخ هذه الدول بتمويل مشروعات لإقامة أربعة مساجد ضخمة في إسبانيا، ما يعكس أن استعادة الأندلس بما فيها قرطبة تحوّلت من مجرد فكرة إلى مطمع إسلامي”.
ويبدو أن الحاقدين والكارهين للإسلام من الكتّاب الإسبان الصليبيين وجدوا في هذا الموضوع ضالتهم المنشودة، وبدوا جميعًا يتنافسون ويتبارون في الكتابة، عما وصفته الصحيفة بمشروع “مكة أوروبا”، حيث قام أحد الكتاب -وعن نفس الصحيفة السابقة- بالخوض في هذا المضمار مستهلاً مقالاته بجملة تكشف عن مدى حقدهم الدفين للإسلام، قائلاً: “إن اهتمامات العالم الإسلامي لاستعادة قرطبة ليست وليدة لحظة، ولكن هذه الاهتمامات ظلت متخفية منذ عدة سنوات، تبحث بشتى السبل عن المفاتيح التي تفتح أمامها الأبواب المغلقة، التي تحول بينها وبين قرطبة، وقد تحقق ذلك عن طريق قيام بعض الإسبان الذين دخلوا الإسلام حديثًا، وموّلتهم بعض الدول العربية بالتخطيط لإنشاء مسجد بالقرب من مدينة “الزهراء”، التي أسسها الخليفة الأموي عبد الرحمن الثالث في عام 976 ميلادية، ليكون أكبر مسجد في أوروبا وثاني أكبر مسجد في العالم، في خطوة تعتبر الأولى في طريق التخطيط لاستعادة “قرطبة” التي تعتبر بالنسبة للمسلمين ليست مجرد رمز ديني، ولكنها مجد مفقود، زاعمًا أن المسلمين ليسوا في حاجة إلى مسجد قرطبة للصلاة، فهناك أكثر من 800 مسجد منتشرة في جميع المدن الإسبانية – رقم مبالغ فيه- حيث تؤكد الجالية أن المساجد الموجودة في إسبانيا لا تتجاوز 400 مسجد، معظمها “مصليات صغيرة”، “غير أن هذا الإصرار والإلحاح في الطلب يؤكد الرغبة الإسلامية الدفينة”.
وزعم الكاتب أن رئيس الجالية الإسلامية “منصور أسكوديرو” التقى بوفد من المملكة العربية السعودية وآخر من الإمارات العربية المتحدة، فيما بين عامي 1999 و 2000م، للتخطيط لإقامة مدينة “المنصور” على أرض تبلغ مساحتها 112 هكتار، تحمل طابعًا معماريًا يشبه الأندلس أيام الدولة الإسلامية، غير أن هذا المشروع لم يتم، وإن كان المحامي الإسباني المسؤول عن المشروع قد أكد أن الفكرة مازالت قائمة.
المسلمون والصلاة في مسجد قرطبة:
فشلت كل الجهود التي بذلتها الجالية الإسلامية للسماح للمسلمين بالصلاة في مسجد “كاتدرائية قرطبة” رغم تأكيد رئيس الجالية الإسلامية مرارًا وتكرارًا أنهم يريدون الصلاة في المسجد فقط، وليس كما يزعم استعادته، ويبدو أن هذا الحلم صعب المنال، بعد أن أعلن “مونسنيور خوان خوسيه” أسقف قرطبة رفضه القاطع للرسالة التي بعث بها “منصور أسكوديرو” رئيس الجالية الإسلامية بإسبانيا، إلى بابا الفاتيكان “بينيديكت السادس عشر”، لكي يسمح للمسلمين بالصلاة في مسجد “كاتدرائية قرطبة”، معللاً رفضه بحجج واهية، حيث أشار إلى أن قبول مثل هذا الوضع لن يسهم في وجود تعايش سلمي بين الرموز الدينية، ولن يساعد في وجود حوار بين مختلف الأديان السماوية الموجودة في إسبانيا، مضيفًا أن هذا الطلب ليس وليد الصدفة, بل هو موجود منذ حوالي عدة عقود، بل الأدهى والأمر في ذلك هو تصريحات مجلس الأساقفة الإسبان، التي أشاروا فيها إلى أنه ليس للمسلمين حق في مسجد قرطبة، لذا لا يليق بهم أن يطلبوا من بابا الفاتيكان السماح لهم بالصلاة في مسجد “كاتدرائية قرطبة”, مشيرين إلى أن “الكاتدرائية” لا تنتمي للفاتيكان، وأن المسجد قام أساسًا على أنقاض كنيسة -حسب مزاعمهم الزائفة-، معتبرين طلب كل من الجالية الإسلامية الإسبانية والائتلاف الإسلامي بأحقية المسلمين في الصلاة بمسجد “كاتدرائية قرطبة” ليس له أساس من الصحة، لا من الناحية التاريخية، ولا من الناحية القضائية.

مشروع مدينة “السلام” بقرطبة:
كان هذا المشروع هو نقطة الانطلاق لهذه الحملة الصليبية، وذلك بعد أن كشفت الجمعية الإسلامية -في قرطبة- عن مشروع بناء “مدينة السلام”، بتكلفة مالية تقدر بحوالي 22 مليون دولار، حيث من المفترض أن يتضمن المشروع مسجدًا ومدرسة إسلامية، وفندقًا ومطعمًا ومكتبة وملاعب رياضية بمدينة قرطبة، التي يقولون إنها ستكون “مكة أوروبا”.

تزييف التاريخ:
كعادة الغرب، وخاصة الدول التي أشرقت فيها شمس الإسلام كـ”الأندلس” دائمًا ما يلجؤون إلى تزييف الحقائق والتاريخ، حيث زعمت الصحيفة أن الأرض المقام عليها مسجد قرطبة كانت في الأساس كنيسة، غير أن الجيش الإسلامي استولى عليها، وقام بتشييد مسجد “قرطبة” الكائن بدلاً منها.
وتلك دعوة باطلة، حيث يرجع تأسيس المسجد إلى سنة 92هـ عندما اتخذ “بنو أمية” قرطبة حاضرة لملكهم، فقام الخليفة الأموي “عبد الرحمن بن معاوية” بشراء تلك الأرض من الكنيسة آنذاك، وقام ببناء وتشييد مسجد “قرطبة” عليها، حيث شاطر المسلمون نصارى قرطبة كنيستهم العظمى، فبنوا في شطرهم مسجدًا، وبقي الشطر الآخر للروم.

نقلا عن مفكرة الإسلام

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *